والجواب الصحيح أن يقال الحال المؤكدة لا يشترط فيها الإشتقاق والإنتقال بل التنقل مما ينافي مقصودها فإنما أتى بها لتأكيد ما تقدمها وتقريره فلا معنى لوصف الإشتقاق والإنتقال فيها أصلا وتسميتها حالا تعبير نحوي اصطلاحي
وإلا فالعرب لم تقل لهذه حل حتى يقال كيف سميتموها حالا وهي وصف لازم وإنما النحاة سموها حالا فيا لله العجب من أن تكون تسميتهم الحادثة الإصطلاحية موجبة لاشتراط التنقل والإشتقاق فلو سماها مسم بغير هذا الإسم وقال هذه نصب على القطع من المعرفة إذا جاءت بعد معرفة أكان يلزمه هذا السؤال فقد بان لك ضعف ما اعتمده من الجواب وبالله التوفيق
عاد كلامه قال وأما قوله وهو الحق مصدقا فقد حكموا أنها حال مؤكدة ومعنى الحال المؤكدة أن يكون معناها كمعنى الفعل لأن التوكيد هو المؤكد في المعنى وذلك نحو قم قائما وأنا زيد معروفا هذه هي الحال المؤكدة في الحقيقة
وأما وهو الحق مصدقا فليست بحال مؤكدة لأنه قال مصدقا لما معهم وتصديقه لما معهم ليس في معنى الحق إذ ليس من شرط الحق أن يكون مصدقا لفلان ولا مكذبا له بل الحق في نفسه حق وإن لم يكن مصدقا لغيره ولكن مصدقا هنا حال من الإسم المجرور من قوله تعالى ويكفرون بما وراءه
وقوله وهو الحق جملة في معنى الحال أيضا والمعنى كيف تكفرون بما وراءه وهو في هذه الحال أعني مصدقا لما معكم كما تقول لا تشتم زيدا وهو أمير محسنا إليك
فالجملة حال ومحسنا حال بعدها والحكمة في تقديم الجملة التي في موضع الحال على قولك محسنا ومصدقا أنك لو أخرتها لتوهم أنها في موضع الحال من الضمير الذي في محسن ومصدق
ألا ترى أنك لو قلت اشتم زيدا محسنا إليك وهو أمير لذهب الوهم إلى أنك تريد محسنا إليك في هذه الحال فلما قدمتها اتضح المراد وارتفع اللبس
ووجه آخر يطرد في هذه الآية وفي الآية التي في سورة فاطر والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه فاطر 3 وهو أن يكون مصدقا ههنا حالا يعمل فيها ما دلت عليه الإشارة المنبئة عنها الألف واللام لأن الألف واللام قد تنبيء عما تنبيء عنه أسماء الإشارة