فهرس الكتاب
وقد أخبر أن تنزيل الكتاب منه فهذا يدل على شيئين أحدهما علوه تعالى على خلقه والثاني أنه هو المتكلم بالكتاب المنزل من عنده لا غيره فإنه أخبر أنه منه وهذا يقتضي أن يكون منه قولا كما أنه منه تنزيلا فإن غيره لو كان هو المتكلم به لكان الكتاب من ذلك الغير فإن الكلام فإنما يضاف إلى المتكلم به
ومثل هذا ولكن حق القول مني السجدة 13 ومثله قل نزله روح القدس من ربك النحل 102 ومثله تنزيل من حكيم حميد فصلت 42 فاستمسك بحرف من في هذه المواضع فإنه يقطع حجج شعب المعتزلة والجهمية
وتأمل كيف قال تنزيل من ولم يقل تنزيله فتضمنت الآية إثبات علوه ومكانه وثبوت الرسالة ثم قال العزيز العليم فتضمن هذان الإسمان صفتي القدرة والعلم وخلق أعمال العباد وحدوث كل ما سوى الله لأن القدرة هي قدرة الله كما قال أحمد بن حنبل فتضمنت إثبات القدر ولأن عزته تمنع أن يكون في ملكه ما لا يشاؤه أو أن يشاء ما لا يكون فكانت عزته تبطل ذلك
وكذلك كمال قدرته توجب أن يكون خالق كل شيء وذلك ينفي أن يكون في العالم شيء قديم لا يتعلق به خلقه لأن كمال قدرته وعزته يبطل ذلك ثم قال غافر الذنب وقابل التوب والذنب مخالفة شرعه وأمره فتضمن هذان الإسمان إثبات شرعه وإحسانه وفضله ثم قال شديد العقاب وهذا جزاؤه للمذنبين وذو الطول جزاؤه للمحسنين فتضمنت الثواب والعقاب
ثم قال لا إله إلا هو إليه المصير فتضمن ذلك التوحيد والمعاد فتضمنت الآيتان إثبات صفة العلو والكلام والقدرة والعلم والقدر وحدوث العالم والثواب والعقاب والتوحيد والمعاد
وتنزيل الكتاب منه على لسان رسوله يتضمن الرسالة والنبوة فهذه عشرة قواعد الإسلام والإيمان تجلى على سمعك في هذه الآية العظيمة ولكن خود تزف إلى ضرير مقعد
فهل خطر ببالك قط أن هذه الآية تتضمن هذه العلوم والمعارف مع كثرة قراءتك لها وسماعك إياها وهكذا سائر آيات القرآن فما أشدها من حسرة وأعظمها من غبنة على من أفنى أوقاته في طلب العلم ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن ولا باشر قلبه أسراره ومعانيه فالله المستعان