فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 973

فجوابه يظهر مما تقدم فإن الصلاة عليه طلب وسؤال من الله أن يصلي عليه فلا يمكن فيها إلا لفظ الغيبة إذ لا يقال اللهم صل عليك وأما السلام عليه فأتى بلفظ الحاضر المخاطب تنزيلا له منزلة المواجه لحكمة بديعة جدا وهي أنه لما كان أحب إلى المؤمن من نفسه التي بين جنبيه وأولى به منها وأقرب وكانت حقيقته الذهنية ومثاله العلمي موجودا في قلبه بحيث لا يغيب عنه إلا شخصه كما قال القائل

مثالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب

ومن كان بهذه الحال فهو الحاضر حقا وغيره وإن كان حاضرا للعيان فهو غائب عن الجنان فكان خطابه خطاب المواجهة والحضور بالسلام عليه أولى من سلام الغيبة تنزيلا له منزلة المواجه المعاين لقربه من القلب وحلوله في جيمع أجزائه بحيث لا يبقى في القلب جزء إلا ومحبته وذكره فيه كما قيل

لو شق عن قلبي يرى وسطه ذكرك ...

والتوحيد في سطر لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا تستنكر استيلاء المحبوب على قلب المحب وغلبته عليه حتى كأنه يراه ولهذا تجدهم في خطابهم لمحبوبهم إنما يعتمدون خطاب الحضور والمشاهدة مع غاية البعد العياني لكمال القرب الروحي فلم يمنعهم بعد الأشباح عن محادثة الأرواح ومخاطبتها ومن كثفت طباعه فهو عن هذا كله بمعزل وإنه ليبلغ الحب ببعض أهله أن يرى محبوبه في القرب إليه بمنزلة روحه التي لا شيء أدنى إليه منها كما قيل

يا مقيما مدى الزمان بقلبي ... وبعيدا عن ناظري وعياني

أنت روحي إن كنت لست أراها ... فهي أدنى إلي من كل داني

وقال آخر

يا ثاويا بين الجوانح والحشا ... مني وإن بعدت علي دياره

وإنه ليلطف شأن المحبة حتى يرى أنه أدنى إليه وأقرب من روحه وهذه أبيات تلم بذلك

وأدنى إلى الصب من نفسه ... وإن كان عن عينه نائيا

ومن كان مع حبه هكذا ... فأنى يكون له ساليا

ثم يلطف شأنها ويقهر سلطانها حتى يغيب المحب بمحبوبه عن نفسه فلا يشعر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت