فهرس الكتاب
فصل الخناس وبيان اشتقاقه
وأما الخناس فهو فعال من خنس يخنس إذا توارى واختفى ومنه قول أبي هريرة لقيني النبي في بعض طرق المدينة وأنا جنب فانخنست منه وحقيقة اللفظ اختفاء بعد ظهور فليست لمجرد الإختفاء ولهذا وصفت بها الكواكب في قوله تعالى فلا أقسم بالخنس التكوير 15 قال قتادة هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وكذلك قال علي رضي الله عنه هي الكواكب تخنس بالنهار فلا ترى وقالت طائفة الخنس هي الراجعة التي ترجع كل ليلة إلى جهة المشرق وهي السبعة السيارة
قالوا وأصل الخنوس الرجوع إلى وراء والخناس مأخوذ من هذين المعنيين فهو من الإختفاء والرجوع والتأخر فإن العبد إذا غفل عن ذكر الله جثم على قلبه الشيطان وانبسط عليه وبذر فيه أنواع الوساوس التي هيأصل الذنوب كلها فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به انخنس وانقبض كما ينخنس الشيء ليتوارى وذلك الإنخناس والإنقباض هو أيضا تجمع ورجوع وتأخر عن القلب إلى خارج فهو تأخر ورجوع معه اختفاء
وخنس وانخنس يدل على الأمرين معا قال قتادة الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ربه خنس
ويقال رأسه كرأس الحية وهو واضع رأسه على ثمرة القلب يمنيه ويحدثه فإذا ذكر الله تعالى خنس وإذا لم يذكره عاد ووضع رأسه يوسوس إليه ويمنيه
وجيء من هذا الفعل بوزن فعال الذي للمبالغة دون الخانس والمنخنس إيذانا بشدة هروبه ورجوعه وعظم نفوره عند ذكر الله وأن ذلك دأبه ودينه لا أنه يعرض له ذلك عند ذكر الله أحيانا بل إذا ذكر الله هرب وانخنس وتأخر فإن ذكر الله هو مقمعته التي يقمع بها كما يقمع المفسد والشرير بالمقامع التي تردعه من سياط وحديد وعصي ونحوها
فذكر الله يقمع الشيطان ويؤلمه ويؤذيه كالسياط والمقامع التي تؤذي من يضرب بها ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلا ضئيلا مضنى مما يعذبه ويقمعه به من ذكر الله وطاعته
وفي أثر عن بعض السلف أن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره في السفر لأنه كلما اعترضه صب عليه سياط الذكر والتوجه والإستغفار والطاعة فشيطانه معه في عذاب شديد ليس بمنزلة شيطان الفاجر الذي هو معه في راحة ودعة ولهذا يكون قويا عاتيا شديدا