فهرس الكتاب

الصفحة 474 من 973

فصل الخناس وبيان اشتقاقه

وأما الخناس فهو فعال من خنس يخنس إذا توارى واختفى ومنه قول أبي هريرة لقيني النبي في بعض طرق المدينة وأنا جنب فانخنست منه وحقيقة اللفظ اختفاء بعد ظهور فليست لمجرد الإختفاء ولهذا وصفت بها الكواكب في قوله تعالى فلا أقسم بالخنس التكوير 15 قال قتادة هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وكذلك قال علي رضي الله عنه هي الكواكب تخنس بالنهار فلا ترى وقالت طائفة الخنس هي الراجعة التي ترجع كل ليلة إلى جهة المشرق وهي السبعة السيارة

قالوا وأصل الخنوس الرجوع إلى وراء والخناس مأخوذ من هذين المعنيين فهو من الإختفاء والرجوع والتأخر فإن العبد إذا غفل عن ذكر الله جثم على قلبه الشيطان وانبسط عليه وبذر فيه أنواع الوساوس التي هيأصل الذنوب كلها فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به انخنس وانقبض كما ينخنس الشيء ليتوارى وذلك الإنخناس والإنقباض هو أيضا تجمع ورجوع وتأخر عن القلب إلى خارج فهو تأخر ورجوع معه اختفاء

وخنس وانخنس يدل على الأمرين معا قال قتادة الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ربه خنس

ويقال رأسه كرأس الحية وهو واضع رأسه على ثمرة القلب يمنيه ويحدثه فإذا ذكر الله تعالى خنس وإذا لم يذكره عاد ووضع رأسه يوسوس إليه ويمنيه

وجيء من هذا الفعل بوزن فعال الذي للمبالغة دون الخانس والمنخنس إيذانا بشدة هروبه ورجوعه وعظم نفوره عند ذكر الله وأن ذلك دأبه ودينه لا أنه يعرض له ذلك عند ذكر الله أحيانا بل إذا ذكر الله هرب وانخنس وتأخر فإن ذكر الله هو مقمعته التي يقمع بها كما يقمع المفسد والشرير بالمقامع التي تردعه من سياط وحديد وعصي ونحوها

فذكر الله يقمع الشيطان ويؤلمه ويؤذيه كالسياط والمقامع التي تؤذي من يضرب بها ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلا ضئيلا مضنى مما يعذبه ويقمعه به من ذكر الله وطاعته

وفي أثر عن بعض السلف أن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره في السفر لأنه كلما اعترضه صب عليه سياط الذكر والتوجه والإستغفار والطاعة فشيطانه معه في عذاب شديد ليس بمنزلة شيطان الفاجر الذي هو معه في راحة ودعة ولهذا يكون قويا عاتيا شديدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت