يحاول الكثيرون جاهدين تحسينه وتزيينه وإخفاء قبائحه عن الناس ,
فلو أن رجلًا برلمانيًا ساقطًا اقترح أن تنشأ صالات أفراح علنية لتزاوج الرجال فيما بينهم , ولم يخرج في مقترحه عن حدود الدستور , فعندها يشرع البرلمانيون في مناقشة هذا المقترح , ويبدي كل منهم رأيه سواء كان معارضة أم موافقة أم تعديلًا أم سكوتًا , فما أن تنتهي المناقشات والاقتراحات والخيرة من أمرهم حتى يشرع في التصويت والذي يعني معرفة إن كان الموافقون على القانون هم الأكثرية أم لا , فإذا صوّت على هذا القانون أكثرية البرلمانيين واعترض أو سكت الأقلون فعندها يصبح إنشاء صالات أفراح لزواج الرجل بالرجل قانونًا شرعيًا معتمدًا من قبل البرلمان , وليس من قبل الأكثرية فحسب , فالاعتراض الرسمي إنما يكون فقط على المقترح قبل إقراره واعتماده أما بعد إقراره من البرلمان وتصويت الأكثرية عليه فلا وجه للاعتراض لأنه صار قانونًا مصبوغًا بالصبغة الشرعية وهي خروجه من قِبَل البرلمان , وإذ ذاك كذلك فعليهم جميعًا أقلية كانوا أم أكثرية أن يقولوا آمنا به كل من عند برلماننا!! وهذه أكبر طامة يقع فيها البرلمانيون الإسلاميون , وكثير من الناس لا يدركون هذه الحقيقة ويحسبون أن الأمر لا يعدوا أن يكون تقليلًا للمفاسد أو كبحًا للتمادي في التشريعات المخالفة للشرع أو تحصيلًا لبعض المصالح من خلال القنوات الرسمية كما يسمونها , ولهذا قلت ولا زلت أقول لو أن برلمانًا من البرلمانات قدّم أحكام الشرع كمقترحات تُقبل أو لا تُقبل ونظر فيها نظر الباحث المتفحص الذي يسعه القبول أو الرد لا نظر المستسلم المنقاد المذعن الخاضع , ثم أقر البرلمان بالإجماع تطبيق أحكام الشرع فإن هذا لا يخرجه عن كونه برلمانًا كفريًا شركيًا طاغوتيًا , ولا يخرج تلك الأحكام التي أقرها ووافق عليها عن كونها قانونًا وضعيًا تواطأ على قبوله مجموعة من البشر بحجج وافقت أهواءهم يوشك أن ينقضوها أو ينقضها غيرهم أول ما تتبدل الآراء والأهواء , هذا سوى أن الشرع لم يجعل للأكثرية عصمة ولا قدسية ولا ميزة بل لا تكاد تراها في الكتاب العزيز إلا مذمومة كما قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} , وقال عز وجل: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} , وقال سبحانه: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} , وقال سبحانه: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} , وقال عز وجل: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} , وقال عز من قائل: {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ} .
والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة , فما الذي جعل ميزان الأكثرية في عصر الديمقراطية ميزانًا صحيحًا ومرجحًا منضبطًا ومشرعًا مسددًا وحكمًا مقسطًا؟ {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} .
هذا وقد كتب عن هذا الدين الجديد أعني دين الديمقراطية الكثيرون من العلماء والدعاة وبينوا قبحها وأظهروا حقيقتها حتى يكون الناس على بينة من أمرها وإنما أردت هنا الإشارة فقط إلى بعض أهم تلك الطوام والدعائم التي تقوم عليها الديمقراطية , وإلا فلو ذهبنا نتتبع السبل الشيطانية التي اشتملت عليها لطال بنا المقام , وقد طال والله المستعان.
بقي أخيرًا أن أنبه أن ما قلته هنا إنما قصدت به بيان شيء من النواقض الجلية التي يتضمنها دين الديمقراطية ليتصورها المسلم تصورًا صحيحًا ويحذر من الانزلاق فيها والتلبس بها فيفرِّط في دينه وهو أعز ما يملكه , والخسارة فيه خسارة كل شيء , وعليه فليس المقصود هنا هو البحث عن حكم أعيان الأشخاص الذين ابتُلوا