بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه,
وبعد:
أمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عندما نتحدث عن أية قضية من قضايا الإسلام، لا بد أن نستشعر من أعماق قلوبنا أن هذا الدين الذي نتكلم عن مسائله هو دين الله تعالى، وهو شعور له تأثيره المباشر في كيفية تقرير المسائل وبحثها والخوض فيها، فالإسلام -كل الإسلام- ليس نظرية أرضية تخوض فيها الأبحاث حرة طليقة بلا زمام ولا خطام، وإنما هو: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) } [الأعراف2، 3]
فما دام الدين دين الله تعالى، فلا محل إذًا لتلاعب الأهواء، ولا لتخوض الأفكار والآراء، ولا لتخرص العقول والتحاليل، ولا الحرصِ على ترضية النفوس، ولا الخضوع لدعوات مواكبة العصر، ولا الدندنة حول مسايرة رغبات الشعوب، فدين الله يقود ولا يقاد، ويطوِّع النفوس ولا تطوِّعه، ويحكم الشعوب ولا تحكمه، ويقيِّد الأهواء ولا تقيِّده، ويتحكم في قضايا العصر ولا تتحكم فيه، ويهيمن على الحياة كلها ولا تهيمن عليه.
فالذين يريدون أن ينقذوا الأرض من الفساد ويخرجوها من ظلمات الغي بمجرد استحساناتهم وآرائهم وأهوائهم تحت شعارات مغرية ولكنها في حقيقتها خاوية، بعيدة عن منهج الحق وسبيل الهدى هؤلاء لن يَحصِدوا من سعيهم إلا الوبال والخبال كما قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون71]
وبما أننا في زمن بلغ فيه (إله الهوى) مبلغًا لم يصله من قبل، وقد سخَّر لنصرته وتعزيزه الجنود المجندة، وفتح على صرح الإسلام الشامخ جبهات متعددة لتقويضه واقتلاع أصوله، فإننا بحاجة حقيقية إلى وقفة صادقة حازمة أمام كل مَن يسعى لأن يكون جنديًا من جنود (إله الهوى) الذي برز لنا في صور شتى وألوان متعددة وخر له الكثيرون ركعًا وسجدًا يسبحون بحمده وينفخون في إلهيته بعلم وبغير علم، لنسير على بصيرة من أمرنا، وننافح عن أصولنا وعقيدتنا ومفاهيمنا، ونصونها من كل تمييع وتدنيس {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) } [الجاثية18 - 20]