أمة الإسلام ..
إن هناك شركة تعاونية يقوم عليها شياطين من الإنس والجن، لها رجالها وإمكاناتها، ووسائلها ومؤسساتها، ونفقاتها وجهودها، وخِططها وبرامجها، تقوم على السعي الجاد لتحريف الناس عن دينهم، وتشكيكهم في مسلمات عقائدهم، وتشجيع كل ناعق ليخوض فيها بما شاء باسم الاجتهاد والتفكير والتنظير والتنوير والتحليل ودراسة الواقع والانفتاح والاتزان إلى آخر القائمة المعهودة، وليس له في ذلك حمى يتحاماه، ولا حدود يقف عندها، ولا قواعد وأصول يتحاشاها، بل الكل عنده مرتعٌ مباح، يتنكر - بلا خجل ولا وجل- للحق الصراح، ويحرِّف - وبكل جرأة - الكلم عن مواضعه، وينسب إلى شرع الله ما تعلم عجائز البوادي أنه منه براء، وينقُض ما عَلِمه واستسلم له الأولون والآخرون، بل وتراه يسفههم ويسخر منهم، ويزدري أفهامهم، ويَصبَغ على خرافاته من الألقاب والممادح ما يحاول عبثًا أن يغطي به سخفها وخزيها.
وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة هذه الشركةِ الشيطانية، وأنها منتصبة في كل حين لتأدية مهمتها، وإغواءِ من التفت إليها، أو أصغى لدعواتها، لنكون منها على حذر وتيقظ فلا ننخدع بدعاياتها وزخرف أقوالها، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: [خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .]
وقال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) } [الأنعام112]
وقال سبحانه: {يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) } [الأعراف27]
إذًا هذه هي وصية الله ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن يكون على الجادة، يسير على الحق ولا يبالي بمن خالفه، ويستمسك بالهدى ولا يعبأ بمن أنكره أو تنكر له، ويعتصم بحبل الله ولا يأبه بمن غمزه أو لمزه، ويحرص على رضا ربه ولو سخطت عليه الدنيا بأسرها، ويعتز بجميع دينه لو سفَّهه مَن سفهه، ويُبلِّغ الحق على نصاعته وجلائه ولو استبشعه أصحاب العقول المنحرفة والقلوب المريضة، وقدوته في ذلك مَن لا ينطق عن الهوى ولا يحابي في تبليغ الهدى كما قال الله تعالى له: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) } [المائدة67] ، وقال له أيضًا: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) } [الحجر94، 95]
أمتي الحبيبة ..