إلى أمدٍ قريب كان الشعار الذي يرفعه زعماء الحملة الصليبية العصرية هو الحربَ على الإرهاب، ومطاردةَ القاعدة وقادتها وأعضائها -كما يزعمون-، ولقد قال العقلاء النبهاء من علماء الأمة وقادة المجاهدين عند أول هبوب ريح هذه الحرب، إنها حرب صليبية سافرة كافرة تستهدف الإسلام والمسلمين، ولن تتوقف مساعي أصحابها وخطواتُهم عند حدٍ، ولن يكتفوا -كما يزعمون - بالاجتهاد في القضاء على طائفة المجاهدين، ولن ينقضي تنازل حتى يطالبوا بغيره، بل لن تُترَك قاعدة من قواعد الإسلام ولا أصلٌ من أصوله، ولا مسلمة من مسلماته، إلا ودهمتها حملتهم، وتقلبت يمينا وشمالًا لاقتلاعها ونسفها، لتنقل الأمةَ -كل الأمة- من البصيرة إلى العمى، ومن اليقين إلى الشك والحيرة، بل من الإيمان إلى الكفر وذلك هو مبتغاهم ومقصدهم مهما تلونوا وتقلبوا فالقرآن كما فضح أسلافهم يفضحهم، وكما عرى أولئك يعري هؤلاء قال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (120) } [البقرة120]
فهي حربٌ تستهدف معاقل الإسلام كلها، وتقتحم الديار كما تغزو العقول والأفكار، وتتجرأ على سفك الدماء تمامًا كما تتجرأ على نسف العقائد والعبث بالمقدسات.
ولقد استطاع دهاقنة ودهاة هذه الحملة الصليبية أن يغرسوا لهم غرسًا من أبناء هذا الدين وفي وسط بلدان المسلمين يتولون التسويق لكثير من أفكارهم والترويجَ لنظرياتهم، وبثَ مصطلحاتهم، وتكريرَ عباراتهم، ومحاولةَ إقناع المسلمين بها، أو على الأقل إماتة الشعور ببشاعتها وفظاعتها، لتصبح مع الأيام شيئا مستسغًا وفكرًا متقبلًا ونظرة معتبرة.
ولأنهم عرفوا أن مفتاح نجاحهم في خطتهم هذه إنما هو في التنفير من الجهاد والمجاهدين، والقضاءِ عليهم عسكريًا بجانب محاربتهم فكريًا، فلا يكاد ينطق رجلٌ مغمورٌ ويتمتم بكلمات يعرِّض فيها بالمجاهدين حتى تستنفر وسائل إعلامهم لإظهاره وإشهاره وإجراء الحوارات المتواصلة واللقاءات المتتالية لإرشاد العباد إلى تلك الفكرة الفذة التي تفتق عنها عقل رجلٍ معتوه لا يكاد يبين.
وللأسف فلقد رأينا الكثيرين ممن ينتسبون إلى قادة الحركات الإسلامية، أو الدعاة، أو المفكرين، مَن شمروا عن ساعد الجد وراوحوا يعقدون المؤتمرات تلو المؤتمرات، واللقاءات تلو اللقاءات، والندوات بعد الندوات، ويشدون الرحال من دولة إلى دولة، ليعززوا كثيرًا من المفاهيم الضالة التي تأتي على الإسلام من أصله، ولا يعني الأخذُ بها إلا نقضَ عراه عروة عروة، وهدمَ أسسه أساسا أساسًا، وهم ينسبون ضلالاتهم وانحرافاتهم إلى دين الله، فأضافوا على سوئهم سوءًا، فصدق فيهم قول الله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) } [آل عمران78] .