وإن أعظم ما يسترون به عوجهم، ويسوِّقون به ضلالهم، هو انتسابهم للوسطية والاعتدال والاتزان، وقد صاغوا لهذه الكلمات معانيَ ارتضوها لأنفسهم، ونحتوها من بنات أفكارهم، أساسها التلفيق والتوفيق، ووسيلتها التمييع والتطويع، ولبها وجوهرها إقرار أعين الغرب بما يرضيهم ويُطيِّب نفوسهم ويسكِّن هيجانهم ولو نُسِف مع ذلك دين الله نسفًا.
فما هي الوسطية التي يدعو لها هؤلاء ويدندنون حولها صباح مساء، وما هي الوسطية التي جاء بها دين الله عز وجل وارتضاها لنا ومدح أمة نبيه بها فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (143) } [البقرة143]
أمة الإسلام ..
إن تحديد المفاهيم الشرعية التي نصوغ لها من الألفاظ ما يحسِّنها ويزينها لا بد أن يكون معتمدًا على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لأن العقول متفاوتة، والأفكار متضاربة، وموازين الأمور مضطربة، والأهواء والرغبات تتسلل إلى هذا المعنى أو ذاك فتعبث به وتلوث بهاءه، فلا بد - إذا- من مرجع ثابت راسخ محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إن قال فقوله الحق، وإن حكم فحكمه العدل، وإن أرشد فإرشاده الهدى، وليس ذلك إلا كتابَ الله تعالى كما قال عز وجل: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) } [المؤمنون71]
فالوسطية كلمةٌ ارتضاها الناس، واستحسنوها وربما اتفقوا على مدحها، لما تنبي عنه من معنى العدل والاتزان والاعتدال، إلا أن الكثيرين ممن نصبوا أنفسهم للدعوة إليها، قد فرغوها من معناها الشرعي السامي، وافرغوا فيها ما تشتهيه أنفسهم وترتضيه ميولهم من المعاني المنحرفة والمفاهيم الزائغة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ثم قدموها للناس وقالوا لهم هذه هي الوسطية فاتبعوها وانبذوا من خالفها أو تخلف عنها.
إن المفهوم الصحيح للوسطية هو التمسك الكامل بدين الله تعالى الذي ارتضاه للناس كافة، ولو كره ذلك من كره، والسعي لنشره بينهم من غير تحريف ولا تزييف ولا مخادعة ولا مراوغة، وعرضُه عليهم عرضًا صريحًا بينًا من غير تلاعب بأحكامه، ولا تمييع لأصوله، ولا تغيير لشرائعه، ولا إخفاء لحقائقه، ولا تحرج من تقرير مسائله، ثم ليقبله منهم من قَبِل وليردَّه من يرد: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) } [الغاشية21، 22]
فنحن ما أمرنا بأن نُهلك أنفسنا ونَبخَعها لأجل صدود الناس وشرودهم عنه، وإنما علينا البلاغ للحق الصريح والتمسك بالهدى الجلي.