فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 967

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) } [الكهف6] ،وقال سبحانه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) } [الشعراء3، 4]

فبصفة الإيمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تبوأت هذه الأمة منزلة الخيرية بين الأمم، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110) } [آل عمران110] ومن ثم استحقت أن تكون أمة وسطًا شاهدة على الناس، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة143]

، فمهمة أمة الإسلام ليست مضاهاةَ الأمم الكافرة، ولا التملق لها، والاجتهادَ في طلب إرضائها، ولا البحثَ عن عوامل التقارب معها، ولا التنقيبَ عن أسس التعايش التي تجمعها بها، ولا بذلَ الجهود وإنفاق الأعمار لمطاوعة الواقع والاستسلام له، فما خُلقنا لهذا، ولا أمرنا بهذا إنما [الله ابتعثنا واللهُ جاء بنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نُفضي إلى موعود الله الجنةِ لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي] هكذا لخص ربعي بن عامر رضي الله عنه، مهمة أمة الإسلام، وهذه هي الوسطية الحقة التي فهمها الصحابة رضي الله عنهم ودعوا إليها بعيدًا عن التخرصات الباردة، والتعقيدات المضللة، والأفكار الهائمة.

فليس لأحد أن ينتقي من دين الله ما يحب ويهوى، ولا أن يطوع أحكام الله لمن يحب ويهوى، ولا أن يقدم دين الله بالصورة التي يحب ويهوى، وقد قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) } [يوسف108] ، إذا هي دعوة إلى سبيل الله -والتي تعني الدين كافة- وليست دعوة إلى نتائج الآراء المجردة، ولا مستحسنات الأفكار المستحدثة، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) } [البقرة208]

فالإسلام كله دين العدل ودين الوسط ودين القيمة، ولن يفلح الناس ولن يجدوا (الوسطية الحقة) إلا بأخذه كما هو، ونشره كما هو، وهو دينٌ ربانيٌّ غني عن تعديلنا وتوسيطنا وتقويمنا، فأحكامه ليست أحكام جور حتى نعدِّلها، وسبيله ليست سبيل إفراط وتفريط حتى نوسطها، وشرائعه ليست شرائع عوج حتى نقومها: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) } [النحل90] ،وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) } [النساء58]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت