إن الوسطية ليست دليلًا شرعيًا قائمًا بذاته بحيث نجعلها حاكمة على شرائع الإسلام، ومهيمنة على عقائده ومفاهيمه، ومقيدة لأصوله وفروعه، بل هي صفة ملازمة لدين الله تعالى، وملاصقة لكل حكم من أحكامه، فحيثما وجد حكم الله الذي أنزله في كتابه أو شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم سواء في صغير الأمور أو كبيرها، فهو حكم وسط عدل سمحٌ لا حرج فيه ولا مشقة حتى ولو استثقلته بعض النفوس، ونفرت منه بعض القلوب
فالداء ليس في أحكام الله حتى نسعى لإصلاحها وتعديلها لتوافق تلك النفوسَ والقلوب، ولكن المرض المستحكم هو في هذه النفوس والقلوب التي تحتاج إلى إخراجها من هوسها ووساسوسها لتدرك الحق الوسط على ما هو عليه بصفائه وجلائه لا على الصفة التي تريدها هي وتهواها وبهذا فقط تنتفع بالحق وتخرج إلى رحمة العدل وسعة الوسطية وإلا فإنها ستبقى تتقلب في غيها وتتعذب بشقائها وإن حسبت أنها تحسن صنعا: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) } [محمد14، 15]
وها نحن نرى كثيرا ممن رفع شعار الوسطية وتشبع بها زعمًا وادعاءً قد جعلها مطية ينقض بها أسسا هي من مسلمات الإسلام ولا يبالي، وكلما خالفه المخالفون، وأنكر عليه المنكرون، رماهم بالغلو والتطرف وعدم الانفتاح على الواقع، حتى فتحوا الباب لكبار الزنادقة والملاحدة ليدخلوا على الإسلام ومن نفس الباب -بابِ الوسطية المزعوم- فيعيثوا فيه فسادًا، فما تركوا منه شاذة ولا فاذة إلا ولاحقوها بأفكارهم، وطاردوها باستهزائهم وسخريتهم، ونسفوها بمعول وسطيتهم واعتدالهم، ومن حاول الأخذ على أيديهم وكف زندقتهم رموه بالتطرف والشطط والجمود ثم تمادوا واسترسلوا ليأتوا على الإسلام كله.
فبسم الوسطية والاعتدال اقتحمت قِباب المجالس الشركية لا لفتحها وإقامة عَلم التوحيد فيها وإنما للانفتاح عليها وتوطيد دعائمها، والتأكيد على شرعيتها، ومشاركة أربابها في تشريعاتها، فإذا صدع الصادعون بكلمة الحق التي أمروا بها وتلوا آيات الله البينات على هؤلاء اشمئزت قلوبهم ورموهم بالغلو والتطرف وعدم فهم السياسة، وواللهِ لن تغني عنهم سياستهم ووسطيتهم من الله شيئا،: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ} (10) [الطارق9، 10]
فإذا قيل لهؤلاء المتشبعين بالوسطية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36) } [الأحزاب36] ، قالوا أنتم متشددون.
وإذا قيل لهم ألا يزجركم قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) } [التوبة31] ، قالوا أنتم حرفيون منغلقون.
وإذا قيل لهم: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ (21) } [الشورى21] قالوا: أنتم جامدون متزمتون.