فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 967

وخابَ سعيهم , ذلك أن الله سبحانه مطلعٌ على سرائرهم وضمائرهم وعليمٌ بسرهم وعلانيتهم , فهم يخوضون حربًا مع الله ولكن لا يشعرون، قال الله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} , ومع ذلك قلّ ما يرعوون عن مخادعاتهم أو يكفون عن تماديهم في غيهم وهذا من تمام خذلان الله لهم وهم لا يعلمون , فتراهم يبرمون أمرًا وينقضونه , ويمدحونه اليوم ويلعنونه غدًا , ويقاتلون من أجله بالأمس ويقاتلونه اليوم , وما ذلك إلا لأن أعمالهم كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار , ولقد قضى الله عز وجل بأن تكون عبادة الجهاد أكبر عدو لهؤلاء وأعظم ممحصٍ لهم وفاضحٍ لمخازيهم ومراوغاتهم , ومن هنا كان عباد الله المجاهدين أشدَّ الناس عداوة لهم تبعًا لذلك، فهذه العبادة الجليلة هي التي تكشفُ سرهم وتفضح أمرهم وتبين حقيقتهم , ولا يمكنهم بحالٍ أن يسايروها بتلاعبهم إلى نهاية الطريق، فتراهم يتفننون في اختلاق الأعذار للتنصل منها والتخلي عنها والبراءة من أهلها في الوقت الذي يحاولون جهدهم أن يسترضوهم ويقنعوهم بأنهم منهم وعلى طريقهم كما قال الله عز وجل: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} ،

فهذا يقول: لا تنفروا في الحر!

والآخر يصيح: ائذن لي ولا تفتني!

وغيره يحتج: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم!

وآخرون يقولون: إن بيوتنا عورة!

وهم يسرون ويتمتمون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا!

فإذا تعيَّن القتال وأصبح سبيله لا مناص منه وخوضه لا محيد عنه تلاشت أعذارهم واستسلموا لحقيقتهم الكامنة في قلوبهم وارتسمت علامات النفاق والشقاق على صفحات وجوهم كما أخبرنا الله عن حالهم وقال: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} ولهذا قال قتادة رحمه الله: (كل سورة ذُكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين) , وقال الله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَاتُونَ الْبَاسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَائِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} , فهذا الصنف من الناس وما أكثره في هذا العصر لا يرجى خيره لدينٍ ولا لدنيا إلا من تاب وأناب ورجع صادقًا مخلصًا لله لا للخديعة , ولولاه لكان المسلمون ينعمون بدولةٍ للإسلام ممكنة منذ أمدٍ بعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت