نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ فكرر الله سبحانه وتعالى عليهم ذلك ثلاثًا, فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يسألوا أو من أن يُسألوا قالوا -ماذا تمنوا ما الذي تمنوه أيها الإخوة- قالوا يا رب نتمنى أن تردنا إلى الدنيا فنُقتل فيك مرة أخرى, فلما رأى أن لا حاجة لهم تُرِكوا"."
هؤلاء تركوا ديارهم وتركوا أوطانهم وتركوا أهليهم وتركوا آباءهم وأُمهاتهم وإخوانهم وجاؤوا إلى هذه الأرض البعيدة النائية ما الذي يريدونه من مجيئهم؟
هل جاؤوا يركضون وراء دنيا فانية كما يركض وراءها الآلاف من الناس من المسلمين وغيرهم؟
هل جاؤوا يطلبون شهرة أو سمعة أو جاهًا؟
هل جاؤوا ليُفسِدوا في الأرض كما يصفهم المجرمون؟
يا أيها الإخوة إنما جاؤوا لأمرٍ واحد, جاؤوا لأجل هذا الأمر الذي نراه أمامنا, من أجل أن يُقتلوا في سبيل الله ولِأن تحيا عقيدتهم ويحيا دينهم وتحيا شريعة ربهم بهذه الدماء التي تفوح الآن بهذا المسك الذي يشمه كل هؤلاء الإخوة, هذه الدماء أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم قال بأنها ستأتي يوم القيامة وهي تفوح بالمسك فها نحن نشمها في الدنيا آية من آيات الله عز وجل وكرامة لهؤلاء وتثبيتًا لمن وراءهم من المجاهدين حتى يعلم الجميع أن هؤلاء الذين يُوصفون بأنهم مُتطرفون! متشددون! مُفسدون! متهورون! هؤلاء هم أطهر الناس وأزكى الناس وأصدق الناس وأحب الناس إلى الله عز وجل نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله عز وجل.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما من مكلومٍ -يعني ما من مجروح- ما من مكلومٍ يُكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا -يعني ينزف دمًا- اللون لون الدم والريح ريح المسك"هذا حديث في الصحيحين, فها نحن أيها الإخوة نشم المسك والذي نتحدى جميع مصانع العطور أن تستخرج لنا مثل هذه الرائحة التي نشمها الآن, هذا مسك أهداه الله سبحانه وتعالى لهم.
فيا أيها الإخوة:
هؤلاء إخوانكم كانوا يعيشون بينكم ولعل أحدهم كان ينام في هذا المكان الذي هو فيه الآن وأخوه بجانبه, هؤلاء إخوانكم قدموا وأدوا ما عليهم فما عليكم إلا أن تستلموا الراية وأن تأخذوا الأمانة بقوة وأن لا تُفرطوا فيها وأن تقولوا بقُلوبكم ومنهجكم وألسنتكم إننا لن نستسلم ولن نتراجع ولن نتهاون حتى نأخذ بثأر هؤلاء أو أن يكون مصيرنا كمصيرهم.
قال الله سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء) هم أحياء لماذا؟ لأنهم قدموا كل ما يملكون وأغلى ما يملكون من أجل أن يحيا دينهم, هم أحياء لماذا؟ لأنهم استجابوا لله وللرسول لما دعاهم لما يحييهم, لما دعاهم للجهاد وللتضحية وللبذل ولإقامة دين الله سبحانه وتعالى قدموا نفوسهم.