و من ثم ما يتبع ذلك من الحكم على المختلس نفسه ديانة لا قضاء, هل هو مذنب أمام الله عز و جل, متوعد بالعقاب في الآخرة؟ أم أنه غير آثم و لا مؤاخذ على ما فعل؟
أولا: التكييف الفقهي لجريمة اختلاس المال العام:
قبل الكلام عن الحكم الشرعي لجريمة اختلاس المال العام يلزمنا أن نبحث عن تكييف هذه الجريمة من الناحية الفقهية, و ما هو مدى المخالفات الشرعية التي تتضمنها هذه الجريمة؟ , فعند النظر إلى هذه الجريمة نجد أنها مركبة من جريمتين:
أولا: السرقة [1] : إذ أن الاختلاس هو أخذ مال متقوم من حرز على سبيل الخفية؛ فالمختلس يأخذ مالا ذا قيمة من الحرز الذي هو مؤتمن عليه, و كل حرز بحسبه, فلا فرق بين خزانة المال و بين المخزن الذي تحفظ فيه المعدات, بل إن تحويل الموظف أو المسئول الكبير المال من رصيد الهيئة الحكومية بالمصرف الحكومي إلى رصيده الشخصي بالمصرف الخاص هو فض و انتهاك لهذا الحرز الاعتباري. وهده النظرة إلى الاختلاس- باعتباره جريمة سرقة- هي ما توصلت إلية القوانين الوضعية في العصر الحديث [2] .
(1) السرقة شرعا: هي أخذ العاقل البالغ نصابا محرزا، أو ما قيمته نصاب، ملكا للغير، لا شبهة له فيه، على وجه الخفية. (المبسوط للسرخسي(9/ 243) , المغني لابن قدامة (10/ 235) , (إرْشَادُ السَّالِك إلى أشرف المسالك- بن عسكر المالكي 1/ 279) , (الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع- الخطيب الشربينى الشافعي(2/ 139) .
(2) بل عرفة بعض فقهاء القانون الغربيين: بأنه الفعل المادي المكون للسرقة بالاستيلاء على حيازة الشيء. (التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي. عبد القادر عودة(المتوفى: 1373 هـ) دار الكتب العلمية (4/ 92) , (4/ 89) .
نستخلص من هدا أن القوانين الوضعية اعتبرت جريمة السرقة كجريمة الاختلاس, و كذلك العكس نظرا للتداخل الكبير بين الجريمتين, وهو ما لا يخالف المفهوم الشرعي للجريمتين, لكنه يجعل المفهوم الشرعي لجريمة اختلاس المال العام أقرب إلى السرقة من معنى اختلاس المال الخاص الذي تناوله الفقهاء قديما وحديثا, و بنوا عليه أحكام اختلاس المال العام ثم أسقطوا عليه حديث": لا قطع على مختلس". الاستثناء الوحيد الذي يجعل جريمة اختلاس المال العام مغايرة لجريمة السرقة- بالمفهوم الشرعي- هو شبهة الملك , فمختلس المال العام له شبهة لملك شيء من هذا المال المختلس, باعتبار أن المال العام ملك لمجموع أفراد الأمة, وهذا الأمر اعتبرته بعض الآراء الفقهية في الحكم على اختلاس المال العام - كما يأتي لاحقا- في حين لم تلتفت إليه القوانين الوضعية في حكمها على المختلس.