فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 79

المطلب الرابع: شبهة و دفعها.

هناك شبهة يطرحها كثير من العلمانيين و المدافعين عن القوانين الوضعية, و لهذه الشبهة منطوق و مفهوم. فالمنطوق: كيف تقطع الشريعة الإسلامية يد السارق, في دينار ذهبي [1] لا يتجاوز 60 دولارا أميركيا, ثم تترك مختلس الملايين بل المليارات من أموال الشعب يمر بعقوبة تعزيرية بسجن و تغريم, ثم بعد انتهاء مدة السجن يخرج ويستمتع بأموال الشعب المنهوبة. أما المفهوم: فهو التشكيك في عدالة الشريعة الإسلامية, وفي شموليتها مكانا و زمانا, وقدرتها على القضاء على الجرائم أو الحد منها [2] .

يمكن الرد على تلك الشبهة من خلال ثلاثة محاور:

المحور الأول: الشريعة الإسلامية ليست أقل صرامة في معاقبة المختلس من أشد القوانين الوضعية. فالشريعة لم تتهاون في ردع مختلس المال العام بتعزيرة عقابا- كما هو المختار في بعض المذاهب - بدلا من قطعه حدًا. وعلى افتراض ذلك, فالشريعة ليست أقل صرامة من القوانين الوضعية التي سنت قوانين و مواد عقابية ليست أكثر ردعا من التعزير [3] .

(1) الدينار الذهبي=4,25 جرام و الجرام يساوي تقريبا 319,16 جنيه مصري عيار 24 بتاريخ 11 إبريل 2012.

(2) لم و لن تكن هذه آخر الشبهات التي تلقى حول الشريعة و صلاحيتها و عدلها, فقديما قال المعري منتقدا قطع السارق و مقارنا اليد المقطوعة في ربع دينار بدية اليد التي تقدر بنصف دية أي خمسمائة دينار ذهبي, فقال:

يد بخمس مئين عسجد وُدِيَت ما باله قطعت في ربع دينار

تناقض مالنا إلا السكوت له .... ونستجير بمولانا من العار

فأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت، وضمنه الناظم قوله:

يد الخيانة، عسجد وديت لكنها قطعت في ربع دينار

عز الأمانة أغلاها، وأر خَصَها ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري

(3) ففي قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 , الباب الرابع: اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر, مادة 112: كل موظف عام اختلس أموالًا أو أوراقًا أو غيرها وجدت في حيازته بسبب وظيفته يعاقب بالسجن المشدد. و ما تبع هذه المادة من المادة 113 مكرر , وهي تنص على أشد العقوبات: كل رئيس أو عضو مجلس إدارة إحدى شركات المساهمة أو مدير أو عامل بها اختلس أموالًا أو أوراقًا أو غيرها وجدت في حيازته بسبب وظيفته أو استولى بغير حق عليها أو سهل ذلك لغيره بأية طريقة كانت يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنين. إن مقارنة هذه النصوص بالنص التعزيري الذي ورد في النظام القضائي السعودي في عقوبة الاختلاس في المادة التاسعة من نظام وظائف مباشرة الأموال العامة يعاقب بالسجن مدة لا تزيد عن عشر سنوات أو بغرامة لا تزيد عن مائة ألف ريال أو بكليهما معا كل موظف يشمله هذا النظام ويثبت ارتكابه لجرم الاختلاس أو التبديد أو التصرف بغير وجه شرعي في أموال الدولة العامة أو الأعيان. أ. هـ

نجد أن النص التعزيري أشد صرامة و عقابا من النص الوضعي الذي يتناول جريمة الاختلاس, ومع ذلك فالنص الوارد في النظام القضائي السعودي- المعتمد على الشريعة الإسلامية- نص تعزيري , و العقوبات التعزيرية أوسع و أكثر مرونة في معاقبة الجرائم غير الحدية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت