تمهيد: لا خلاف-كما ذكرنا- في حرمة الأموال عامة أو خاصة في الشريعة الإسلامية, وحرمة الاعتداء عليها بأي وجه كان سرقة أو تبديدا أو انتفاعا و نحو ذلك.
و قد حددت الشريعة القطع حدا لجريمة سرقة المال الخاص نصا و إجماعا, وحددت التعزير - حسب الحال- عقابا لجريمة اختلاس المال الخاص. إلا أنه لم يرد نص خاص أو عام بالحكم في قضية اختلاس المال العام, إلا أن هناك إشارات من السنة وقضايا عن الصحابة و التابعين, هذه الإشارات لم ترد في اختلاس المال العام صراحة لكنها وردت في السرقة من المغنم و من بيت المال, و لا فرق هنا بين مختلس المال العام و السارق من بيت المال.
و لا خلاف في أن المعتدي على المال العام اختلاسا أو سرقة أو نحو ذلك فهو معاقب شرعا, ولا مجال للإفلات من العقاب أيا كان المعتدي على و أيا كان المعتدى عليه أو طريقة الاعتداء, لكن الخلاف هنا: هل العقوبة الشرعية هي القطع أم التعزير؟
ولعل أقرب مسألة تناولها الفقهاء المتقدمون لمسألة اختلاس المال العام هي مسألة السرقة من بيت المال أو من المغنم كما ذكرنا, و ذلك سنعرض لأقولهم في تلك المسألة, و التي ستكون أساسا لتناول حكم اختلاس المال العام من الجهة الشرعية
الرأي الأول: وهو للحنفية [1] والشافعية [2] والحنابلة [3] :
(1) المرغيناني, برهان الدين, أبو الحسن ,علي بن أبي بكر. الهداية شرح بداية المبتدى مع شرح العلامة عبد الحي اللكنوي. 1417 هـ. ت: نعيم أشرف نور محمد. (باكستان: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية, ط 1) . (2/ 412، 414) ،الكاساني, علاء الدين, أبو بكر بن مسعود بن أحمد. 1424 هـ - 2003 م. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. ت: عادل محمد معوض. (بيروت: دار الكتب العلمية, ط 2) (7/ 70) ، كمال الدين, محمد بن عبد الواحد السيواسي. شرح فتح القدير. (بيروت: دار الكتب العلمية, ط 4, 1141 هـ -1993 م) . (5/ 376، 383) .
(2) الماوردي, أبو الحسن, علي بن محمد بن حبيب .. الحاوي في فقه الشافعي. (بيروت: دار الكتب العلمية ,ط 1, 1414 هـ- 1994 م) . (13/ 350) . النووي, محيي الدين, أبو زكريا, يحيى بن شرف 1405 هـ. روضة الطالبين وعمدة المفتين. (بيروت: المكتب الإسلامي, ط 1) . (10/ 118) . وقد قيد الشافعية هذا الأمر فقالوا:"إذا سرق من مال الغنيمة فلو كان ممن شهد الوقعة أو أحد والديه أو مولوديه لم يقطع؛ لوجود الشبهة، أما إذا لم يكن شهد الوقعة أو أحد من أنسابه نظر =فإن كان الخمس باقيًا في الغنيمة لم يقطع لشبهته في الخمس، فإن أخرج الخمس منه قطع فيه."وبمثل هذا قال الحنابلة. انظر الكافي لابن قدامة (4/ 123) .
(3) ابن قدامة, المقدسي, أبو محمد, عبد الله بن أحمد. المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني. (بيروت: دار الفكر, ط 1, 1405 ه) . (10/ 138) . لكن فيه التعزير و هو ما أخذ به النظام القضائي السعودي -الذي بعمل وفق المذهب الحنبلي-في عقوبة الاختلاس , فقد حددت المادة التاسعة من نظام وظائف مباشرة الأموال العامة الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/77 وتاريخ 23/ 10/1395 هـ عقوبة المختلس بالنص التالي: (استثناء من أحكام المرسوم الملكي رقم 43 وتاريخ 29/ 11/1377 هـ يعاقب بالسجن مدة لا تزيد عن عشر سنوات أو بغرامة لا تزيد عن مائة ألف ريال أو بكليهما معا، كل موظف يشمله هذا النظام ويثبت ارتكابه لجرم الاختلاس أو التبديد أو التصرف بغير وجه شرعي في أموال الدولة العامة أو الأعيان أو الطوابع أو الأوراق ذات القيمة المسلمة إليه، كما يعاقب بنفس العقوبة من اشترك أو تواطأ معه على ارتكاب إحدى تلك الجرائم، سواء كان موظفا أو غير موظف بالإضافة إلى إلزامهم بإعادة الأموال والأعيان والطوابع والأوراق ذات القيمة المختلسة أو المبددة أو المفقودة أو ما يعادل قيمتها ويتم الفصل في هذه الجرائم طبقا لنظام تأديب الموظفين) .