فهرس الكتاب
العرب .. وفي هذه السنة ـ 1803 - دخل الأمير سعود المدينة المنورة وأخذ في نشر سيادته على بلاد العرب حتى بلغت حدود مملكته في سنة 1809 شمالًا صحراء سوريا وجنوبًا بحر العرب وشرقًا الخليج الفارسي وغربًا البحر الأحمر. فهنا وبعد أن استفحل الخطر الوهابي السعودي وبلغ إلى هذا الحد رأى السلطان محمود الثاني [1] أن يستعين بمحمد علي والي مصر على صد هذا الخطر فلبى الأمر وبدأ بتنفيذه" [2] ."
(1) يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابه (زعماء الإصلاح في العصر الحديث) عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعن دعوته وعن الأسباب التي أدت إلى نجاحها وتخوف الدولة العثمانية منها:"لقد بدأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب يدعو دعوته في لين ورفق بين قومه. ثم أخذ يرسل الدعوة لأمراء الحجاز والعلماء في الأقطار الأخرى حاثًا لهم على استنهاض الهمم في مكافحة البدع والرجوع إلى الإسلام الصحيح. كم من المصلحين دعوا مثل هذه الدعوة، ولكنها مرّت بسلام، وإن شابها شئ فسجن الداعي أو التشهير به، ورميه بالكفر أو الزندقة، ثم ينتهي الأمر ويعود الناس سيرتهم الأولى؛ بل نرى من قام بمثل هذه الدعوة ـ فعلًا ـ في المغرب كالشيخ أبي العباس التيجاني، فقد أمر بترك البدع ونهى عن زيارة القبور، وكثرت أتباعه حتى بلغت مئات الألوف، ولكن لم يلفت الناس والحكام أمره كما لفتهم محمد بن عبد الوهاب؛ وكذلك الشيخ محمد عبده دعا مثل هذه الدعوة فأجابه بعضهم، وأنكر عليهم بعضهم، ثم أسدل الستار. فما السبب في نجاح الدعوة الوهابية دون الأخرى؟"
السبب في هذا ما أحاط بالدعوة الوهابية من ظروف لم تتهيأ لغيرها. فقد اضطهد في بلده العيينة، واضطر أن يخرج منها إلى الدرعية مقرّّ آل سعود، وهناك عرض دعوته على أميرها محمد بن سعود فقبلها، وتعاهدا على الدفاع عن الدين الصحيح ومحاربة البدع، ونشر الدعوة في جميع جزيرة العرب باللسان عند من يقبلها، وبالسيف عند من لم يقبلها؛ وإذ ذاك دخلت الدعوة في دور خطير، وهو اجتماع السيف واللسان، وزاد الأمر خطورة نجاح الدعوة شيئًا فشيئًا، ودخول الناس أفواجًا فيها، واخضاع بعض الأمراء بالقوة لحكمها، وكلما دخلوا بلدة أزالوا البدع وأقاموا تعاليمهم، حتى هددت الحركة كل جزيرة العرب. ولما مات الأمير ومات الشيخ تعاقد أبناء الأمير وأبناء الشيخ على أن يسيروا سيرة أبويهم في نصرة الدعوة مكتانفين، وظلوا يعملون حتى غلبوا على مكة والمدينة"ويواصل الأساتاذ أحمد أمين حيثه قائلًا:"وشعرت الدولة العثمانية بالخطر يهددها بخروج الحجاز من يدها، وهو موطن الحرمين الشريفين اللذين يجعلان لها مركزًا إسلاميًا ممتازًا، تفقد الكثير منه إذا فقدتهما. فأرسل السلطان محمود إلى محمد علي باشا في مصر أن يسيّر جيوشه لمقاتلة الوهابيين؛ وكما أرسلت الجيوش لمقاتلتهم أرسلت الدعاية من جميع الأقطار الإسلامية للنيل من هذه الدعوة وتكفير مبتدعيها. وحمل علماء المسلمين عليها حملات منكرة، وألّفت الكتب الكثيرة في التخويف منها والتشنيع عليها.
وهكذا حدثت الحرب بالسيف والحرب بالكلام، كل هذا خدم الدعوة الوهابية بلفت الأنظار إليها، ودورانها على كل لسان. وزاد في شأنها أن الوهابيين انتصروا على حملة محمد علي باشا الأولى بقيادة الأمير طوسون. ثم أعد محمد علي باشا العدة القوية الكبيرة، وسار بنفسه وحاربهم بخير سلاحه، فانتصر عليهم، وأتم النصر ابنه إبراهيم باشا، وانهزمت قوة الوهابيين. ولكن بقيت الدعوة"ويقول أحمد أمين: إن الدعاية التي أحكمت ضدها ـ أي الدعوة الوهابية ــ وتعلق الناس بالدولة العثمانية، وميلهم الشديد أن تظل بلادها وحدة لا ينفصل عنها جزء، جعلت عامة المسلمين في أقطار العالم الإسلامي يفرحون بهزيمة الوهابية، ولو لم يفهموا جوهر دعوتها. وشئ آخر كان كبير الأثر في تنفير عامة المسلمين من هذه الحركة، وهو أنها حيث استولت على بلد نفذت تعاليمها بالقوة ولم تنتظر حتى يؤمن الناس بدعوتها؛ فلما دخلوا مكة هدموا كثيرًا من القباب الأثرية، كقبة السيدة خديجة، وقبة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد أبي بكر وعلي ـ رضي الله عنهما ـ؛ ولما دخلوا المدينة رفعوا بعض الحلي والزينات التي كانت على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهذه كلها أثارت غضب كثير من الناس وجرحت عواطفهم. فمنهم من حزن على ضياع معالم التاريخ. ومنهم من حزن على الفن الإسلامي. ومنهم من حزن لأن مقبرة الرسول صلى الله عليه وسلم وفخامتها مظهر للعاطفة الإسلامية وقوة الدولة؛ وهكذا اختلفت الأسباب واشتركوا في الغضب. والوهابيون لم يعبئوا إلا بإزالة البدع والرجوع بالدين إلى أصله"راجع كتاب (زعماء الإصلاح في العصر الحديث/أحمد أمين/مكتبة النهضة المصرية/ بتصرف/ص 18 وما بعدها
(2) تاريخ مصر من عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل/ جورج يانج/تعريب: علي أحمد شكري/مكتبة مدبولي /القاهرة/ ص 109، 110.