فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 186

أقول: لقد دأب كثير من الكتاب على الهيام بمحمد علي باشا كقولهم رائد النهضة المصرية الحديثة بل نعتوه بما لم يستحقه مثل قولهم إنه كان محبًا للدين مدافعًا عنه!! ومنهم من قال: إن الدين دعامة سلطانه!! لكن يرد عليهم أحد علماء المؤسسة الدينية وهو الشيخ محمد عبده الذي يقول:"أي دين كان دعامة لسلطان محمد علي؟! دين التحصيل (يعني الضرائب) !! دين الكرباج!! دين من لا دين له إلا ما يهواه ويريده!! وإلا فليقل لنا أحد من الناس أي عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة للدين الإسلامي الجليل؟ .. لا يذكرون إلا المسألة الوهابية، وأهل الدين يعلمون أن الإغارة فيها كانت على الدين لا للدين!! إنما كانت مسألة محضة تبعثها جراءة محمد علي، على سلطانه العثماني، وكان معه ما كان مما هو معروف. مع أخذ ما كان للمساجد من الرزق، وأبدلها بشئ من النقد يسمى فائض رزنامة لا يساوي جزءًا من الألف من إيرادها. وأخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما لو بقي له اليوم (أي في بداية هذا القرن) لكانت غلته لا تقل عن نصف مليون جنيه في السنة، وقرر له بدل ما يساوي نحو أربعة آلاف جنيه في السنة. وقصارى أمره في الدين، أنه كان يستميل بعض العلماء بالخلع أو إجلاسهم على الموائد لينفي من يريد منهم إذا اقتضت الحال ذلك، وأفاضل العلماء كانوا عليه في سخط .. ماتوا عليه. ولا أظن أن أحدًا يرتاب ـ بعد عرض تاريخ محمد علي ـ على بصيرته أن هذا الرجل كان تاجرًا زارعًا، وجنديًا باسلًا، ومستبدًا ماهرًا، لكنه كان لمصر قاهرًا، ولحياتها الحقيقية معدمًا" [1]

ويحضرنا في هذا المقام شهادة من داخل الأسرة العلوية ذاتها: إذ يقول عباس باشا عن جده محمد علي:"لقد كان جدي يعتقد أنه"

(1) مذكرات الإمام محمد عبده/تقديم طاهر الطناحي/دار الهلال ص 43، 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت