هل المباح حكم شرعي؟ هذه المسألة الرابعة: هل المباح حكم شرعي؟ نقول: نعم جماهير العلماء على أن الإباحة حكم شرعي ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة، ومثل هذه المسائل الأَولى أن لا يحكى فيها خلاف إذا كان المخالف لا يعرف إلا من أهل البدع فالأول أن يحكى اتفاق السلف فيقال: نعم الإباحة شرعية وحكم شرعي بإجماع السلف. لكن جرت عادة الأصوليين أنهم يعتبرون كل مخالف في الأصول ولو كان من المعتزلة ولو كان من الخوارج ولو كان يقول: إلا قول للخوارج قول للمعتزلة قول لكذا فحينئذٍ الأولى في مثل هذه المسائل إذا كان المخالف ليس أو القول المخالف لجماهير السلف ليس من أرباب أهل السنة وإنما هو من أئمة أهل البدع فالأولى أن لا يحكى في المسألة خلاف إن صح أنه لم يقل بهذا إلا المعتزلة إن لم يصح أنه لم يقل بهذا القول إلا المعتزلة لماذا؟ لأن الإجماع قائم على أن الأحكام الشرعية خمسة: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، ولذلك من ينكر وجود المباح في الشرع ويقول: الإباحة ليست حكمًا شرعيًّا. فهو خارق للإجماع إذن المباح نقول: حكم شرعي. قالت المعتزلة: الإباحة ليست حكمًا شرعيًّا. الإباحة عندهم حصروها في البراءة الأصلية وإذا حاصروها في البراءة الأصلية نفوا الإباحة الشرعية إذن الإباحة عندهم هي: الإباحة العقلية البراءة الأصلية استصحاب العدم فقط قالت المعتزلة: الإباحة ليست حكمًا شرعيًّا بل هي حكم العقل. لماذا؟ قالوا: لأن المباح ما انتفى الحرج عن فعله وتركه لم يفسروا المباح هنا والإباحة بما أذن الشرع في فعله وتركه وإنما ما انتفى فسروا الإباحة بانتفاء الحرج ولذلك بعضهم يورد يقول: من فسر الإباحة بالانتفاء حصرها في الإباحة العقلية، ومن فسر الإباحة بما أذن به الشرع قال: الإباحة حينئذٍ تكون شرعية وتكون عقلية. فحينئذٍ لا نحصر حد المباح بالانتفاء لأننا لو حصرناه كما فعل المعتزلة نقول: هذا يلزم منه أن لا تكون الإباحة إلا عقلية. قالوا: لأن المباح ما انتفى الحرج عن فعله وتركه وذلك ثابت قبل ورود الشرع. فحينئذٍ يكون مستصحَبًا بعد ورود الشرعي فما لم يرد الدليل بوجوبه ولا ندبيته ولا تحريمه ولا كراهيته قالوا: الأصل البراءة الأصلية انتفاء الحرج. فحينئذٍ نستصحب ما قبل الشرع ما دام أنه لم يرد دليل ناقل إلى الوجوب وما ذُكر معه نقول: الأصل بقاء ما كان على مكان. فلا يكون حكمًا شرعيًّا ومعنى إباحة الشيء عندهم إذا حكموا على شيء بأنه مباح معناه تركه على ما كان عليه قبل الشرع ولم يتغير حكمه إذا كان قبل الشرع إباحة الربا ولم يأت التحريم قالوا: هذا إباحة عقلية. وإذا وُصف بكونه مباحًا فليس له معنى إلا انتفاء الحرج في فعله وقال أهل السنة والجماعة: الإباحة حكم شرعي لأنها داخلة في تفسير الخطاب. وسبق أن من أدلة من أعظم دليل على حصر الحكم الشرعي في الأقسام الخمسة ما هو؟ الاستقراء والتتبع بالاستقراء والتتبع لنصوص الوحيين وجدنا أن الأقسام كم حكم شرعي محصورة في فِي خمسة إذن الصواب أن الإباحة حكم شرعي.
بقي مسائل في صيغ المباح وهل الإباحة تكليف؟ وهل هي مأمور به أم لا؟ يأتينا في الدرس القادم بإذن الله تعالى.