القرآن كله منزلٌ من عند الله لكنّ الله قال هنا (سورةٌ أنزلناها) وقد أجاب عن هذا العلماء بقولهم: إن هذا للفت الانتباه وإرشاد العناية لما تتضمنه هذه السورةُ المُباركة من عظيم الأحكام الشرعية قال الله جل وعلا بعدها (سورةٌ أنزلناها وفرضناها ) قُرء بالتخفيف وقُرء بالتشديد والمعنى قُرئت وفرَضناها و وفرّضناها بتشديد الراء والقراءة الأخرى أي الثانية المقصود منها أنها أحكامها نزلت مُنجمة أي أن السورة لم تنزل كاملة و أيًا كان المعنى فإن الأفضل في أن يُقال جوابًا عن هذا كُله أن هذه السورة عَنيت بالأحكام وعَنيت بتعريف العباد بربهم فما يتحدثُ عن الأحكام عبّر الله جل وعلا عنه بقوله ( فرضناها ) وما يتعلق بالعقائد والتعريف بالرب عبّر الله جل وعلا عنها بقوله ( وأنزلنا فيها آياتٍ بيناتٍ لعلكم تذكّرون ) والقرينة التي تدلُ على صحة هذا المنحى في التفسير قول الله جل وعلا (لعلكم تذكّرون ) فإن الدعوة إلى تذكرُ الشيء يلزم منه أن يكون الشيء مُستقرًا من قبل ومعلومٌ أن الأحكام لم يكن في المسلمين علمٌ بها من قبل فلا ينطبقُ عليها قول الله (لعلكم تذكّرون ) وإنما ينطبق على الآيات التي عُنيت بالتعريف بالرب والإرشاد إليه ومنه في هذه السورة قول الله جل وعلا ( ألم ترى أن الله يُزجي سحابًا ثُم يؤلف ُبينه ) وقول الله جل وعلا ( والله خلق كل دابة من ماء ) والآيةُ التي من أجلها سُميت السورة بسورة النور وهي قول الله جل وعلا ( الله نورُ السماواتِ والأرض ) فهذه الثلاث التي ذكرناها كنماذج لا تحمل أحكامًا فلا ينطبقُ عليها قول الله ( فرضناها ) وإنما ينطبقُ عليها قول الله (وأنزلنا فيها آياتٍ بيناتٍ لعلكم تذكّرون ) وقُلنا أن قرينة ( لعلكم تذكرون ) تؤيد هذا المنحى فقد جاءت عقب الآيات البينات ولم تأتي عقب فرضناها.