فهرس الكتاب
فإذا نفذ عبد ما بينه وبين الله التقوى وما بينه وبين الناس التواضع وما بينه وبين الدنيا الزهد وما بينه وبين نفسه المجاهدة حق له من رزق علمًا أن يقال عنه أنه من الراسخين في العلم ، قال ربنا { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ثم قال الله { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } هذا من لطف الله جل وعلا بعباده لأن هذه الآية جمعت أمرين جمعت التلقين والوصف وهذا من أجل الدلائل على كرم الله أنه يعطي العطية ويمدح عليها ، فالله جل وعلا يقول { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } وجعل هذا القول والذكر والدعاء منقبة وهو في حقيقة الأمر أن الله جل وعلا يعلمنا كيف ندعوه فأثنى علينا جل وعلا على الصالحين من عباده بما علمهم إياه ونظير هذا في القرآن أن الله جل وعلا ابتلى أيوب عبده بالبلاء فمكث أيوب في البلاء ثمانية عشر عامًا فعلم الله أيوب أن يصبر ورزقه في قلبه الصبر ثم مدحه الله جل وعلا على شيء أعطاه الله إياه ولا يقدر على هذا إلا الله ولا يفعله إلا الكريم ، الكريم وهو الله لأن صفات المخلوقين لا يمكن بحال أن تصل إلى صفات الخالق فالله جل وعلا { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } فلما أعطى أيوب الصبر مدح أيوب على صبره قال في خاتمة الحديث عنه { إنا وجدناه صابرًا نعم العبد إنه أواب } وهنا يقول جل ذكره يعلم عباده كيف يدعوه قال { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِن اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } .