فهرس الكتاب
أما نوح فهو شيخ الأنبياء والمرسلين وأطول أنبياء الله ورسله عمرا عمَّره الله جل وعلا كتب له العمر الطويل حتى إنه تجاوز الألف عام مكث من هذه المدة تسعمائة وخمسين عاما فقط في دعوته لقومه دعاهم ليلا ودعاهم نهارا دعاهم سرا ودعاهم جهارا دعاهم ضعفاء ودعاهم وجهاء دعاهم ترغيبا ودعاهم ترهيبا ومع ذلك كله والهداية بيد الله ما آمن معه إلا قليل كما قال الله جل وعلا: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ(40 ) ) وقد قيل إن هذا القليل كانوا اثني عشر رجلا فلما خَبَر قومه وابتلاهم وعاشرهم جيلا بعد جيل لكثرة ما عاشه بينهم خاف على القلة الذين معه أن يضرهم طغيان الكفرة فقال دعوته الشهيرة التي حكاها الله في القرآن: (( وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا(26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) )فاستجاب الله جل وعلا دعوته ولكن الله قدم الاستجابة هذه الدعوة لأمور أن الله تبارك وتعالى أوحى إليه أن يصنع الفلك فأخذ يصنع سفينة بالغة المنتهى في كبرها فكان يمر عليه أولئك الأقوام من قومه فما كانوا يسألونه ما ينفعهم لم يقولوا له يوما يا نوح ما الذي يدل على الجنة ولم يقولوا له يوما يا نوح ما الذي يباعد من النار ولم يقولوا له يا نوح ألا تذكرنا بربك ولكن كما قال الله جل وعلا: (َوكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ) رحم الله نوح بادلهم بالمنهج الرباني وجزاء سيئة سيئة مثلها: (قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ(38) فكان يسخر منهم وكانوا في سخريتهم يقولون: تصنع سفينة تمشي على اليبس لا يدرون ما أعده الله جل وعلا عليهم من سخط وعذاب0 (