فأخبرت الآية عن نجاتهم من النار لكنها لم تصرح بدخولهم الجنة وهذا الاستدلال من الآية يقبل لو لم تكن هناك شواهد وقرائن لا تقبل الرد تدل على أن مؤمني الجن يدخلون الجنة وأظهرها قول الله تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان) قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: فقد امتن الله على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذا بالشكر القولي أبلغ من الإنس فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد فلم يكن الله تعالى ليمتن عليهم جزاء لا يحصل لهم وأيضًا فإن كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام عدل فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى).
ثم قال الحافظ رحمه الله: (وقد حكي فيهم أقوال غريبة: فعن عمر بن عبدالعزيز أنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة وإنما يكونون في ربضها وحولها وفي أرجائها ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ولا يرون بني آدم بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا) .
وفصل الخطاب عندي أن يقال إن الجن قطعًا من أهل التكليف قال سبحانه (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) .
وما التكليف إلا الإيمان والعمل الصالح وقد وعد الله كل من آمن وعمل صالحًا بدخول الجنة قال سبحانه (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا) فهذه الآية ونظائرها في كلام الله يدخل تحتها مؤمن الجن والإنس، ولا نعلم دليلًا يستثني الجن من ذلك العموم ولا دليل أيضًا على قصر نعيمهم في الجنة على هيئة مخصوصة.
على أنه ينبغي أن تدرك أيها المبارك أن الجن وهم المخلوقون من نار تعجبوا من عظيم ما سمعوا وأنصتوا لجليل ما يتلى لما سمعوا القرآن رطبًا من سيد الخلق ونبي الرحمة صلى الله عليه وسلم كما أثبته الله في كتابه، فما أجدرنا أن تلين جلودنا وقلوبنا لذكر الله كما وصف الله الأخيار من خلقه والمتقين من عباده والعلم عند الله.
أرجى آية في كتاب الله