وإعمال هذه القاعدة النحوية في قوله تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) يتبين لنا ان لفظ (نار) في الآية نكرة مقصودة، فيصبح المعنى ان الله جل شأنه خاطب تلك النار دون سائر النيران في الارض عند وقت عزم اولئك الضالين محاولة حرق ابراهيم عليه السلام.والا لو كان النداء عامًا لا يخصص به نارٌ بعينها لاطفئت النيران جميعًا، وهو ما لم يقع اصلًا. وايمانيًا يتضح لكل احد من ذلك كله احتفاء الله بخليله ابراهيم.فما السر في ذلكم الاحتفاء العظيم من الرب الجليل بهذا النبي الكريم؟
لا ريب ان الله اعلم حيث يجعل رسالته، لكن الجواب عن ذلك يمكن اجماله في ان ابراهيم قدم ماله للضيفان، وابنه للقربان، وقدم جسده للنيران، كل ذلك فعله ابتغاء مرضاة الرحمن، الا ترى الى قول الله عن هذا العبد الصالح (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فتأمل يا اخي كرامة العبد عند الله ان اخلص لله نيته واسلم لله قلبه وسار على هديه جل وعلا وشرعته.على اننا نختم بلطيفة مستقاة من آيات قرآنية متعددة وهي ان النيران ثلاثة: نارٌ تضيء وتحرق وهي نارُ أهل الدنيا ففيها منفعة، وفيها مضرة، ونارٌ لا نفع فيها البتة وهي نار جهنم عياذًا بالله منها.. ونار لا تحرق وقد كانت نورًا وضياء وهي النار التي رآها كليم الله موسى وهو في طريقه من أرض مدين إلى أرض مصر، قال ربنا سبحانه: (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .. والعلم عند الله.
إن العظائم كفؤها العظماء
لا ريب أن سياسة الأمم وقيادة الدول من جلائل التكاليف وعظيم المهام التي لا يقدر عليها كل أحد بلغ كرسي الرئاسة أو تسلم مقاليد حكم. فليس كل من سلك الجياد يسوسها كما يقول الحكماء من الشعراء.