فهرس الكتاب
فهو عليه الصلاة والسلام لم يُخاطب كسرى ولا قيصر ولا أقيال25 اليمن ولا غيرهم حتى كسر شوكة قريش، كسر شوكتها بصلح الحديبية على أن يستمر الناس عشر سنين ليس بينهم حرب، لما توقفت الحرب كان هذا هو الفتح العظيم الذي بشّر الله به نبيه يوم انصرف من الحديبية { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } [الفتح: 1] ، فكان هذا سببًا في أن يتهيّأ صلى الله عليه وسلم ليُخاطب الآخرين غير جماعته وعشيرته الأقربين الذين أُمر أن يبدأ بهم أولا وهم قريش الذي هو منهم صلوات الله وسلامه عليه، وهو عليه الصلاة والسلام وهو يدعو إلى الله -كما دعا بالسنان كما مر معنا في غزاته- دعا باللسان واتخذ الأسباب المشروعة في الدعوة التي توافق عصره آن ذاك.
فلما أخبروه -أي الصحابة- أن العرب أو الملوك والسلاطين والأمراء لا يقبلون إلا كتابًا مختومًا لم يُعاند وإنما اتخذ خاتمًا من فضة عليه الصلاة والسلام، جعل له ثلاثة أسطر"محمد رسول الله"، كما في البخاري وغيره، فجعل كلمة محمد أسفل وكلمة رسول في الوسط وكلمة الله -الذي هو لفظ الجلالة- في الأعلى، فأصبح الخاتم نقشه محمد، أعلى منها رسول، وأعلى منها لفظ الجلالة الله، فأصبح يُقرأ من الأدنى"محمد رسول الله"، فحتى في نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام تأدب مع ربه جلّ وعلا، ولا يوجد أحدٌ تأدب مع ربه تبارك وتعالى كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام مُتأدبًا مع ربه يعرف لله قدره، وهذا واحدٌ من أسبابٍ كثيرة أفاءها الله عليه جعلته أعظم النبيين وأكمل الخلق صلوات الله وسلامه عليه.