فهرس الكتاب
الأمر الثاني الذي ينبغي أن يعلم أن الله كما أنه رب ذو فضل فإنه جل جلاله حكم ذو عدل أن الله لا يظلم الناس مثقال ذره وإن تكُ حسنه يضاعفها ويأتي خيرًا مما أُخذ من العبد فهو جل وعلا حكم عدل قبل أن تشرع في فهم منن الله جل وعلا على عباده يجب أن تفقه أنه لا يضيع عند الله شيئا قال يوسف عليه السلام يمدح ربه ويثني عليه كما حكا الله عنه في كتابه { إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } وربنا يقول {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ } أن يعلم أن القرآن العظيم فيه من البلاغة وفيه من الإعجاز ما يحتوي على الإعجاز في لفظه والإعجاز في معناه فكما يخبر الله عن المنن إظهارًا أحيانا يخبر عنها جل وعلا من باب الإضمار أحيانا فالإظهار يكاد يعرفه كل أحد وما أضمره الله جل وعلا من منن على بعض عباده هذه التي ينبه لها العلماء ويسابق فيها الأخيار الذين منّ الله عليهم بالقدرة والعطاء على أن يتدبروا كلام ربهم تبارك وتعالى ، مقول من دلائل إعجازه القرآن مثلا أن الله ذكر في كتابه المشرق والمغرب ذكرهما مفردين وذكرهما على هيئة التثنية وذكرهما على صيغة الجمع وكل ذكر لهما كان يوازي السياق العام الذي جاء فيه ، لما ذكر الله جل وعلا عبادته والتوجه إليه في الصلاة وهو حق له مطلق تبارك وتعالى لا يشاركه فيه أحد قال سبحانه { وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} فأفرد الله ذكر المشرق وأفرد ذكر المغرب ولما ذكر جل وعلا الانقطاع إليه والتبتل إليه وذكر وحدانيته وأنه لا رب غيره ولا إله سواه قال سبحانه لنبيه { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} فذكرهما الله جل وعلا على هيئة الأفراد لأن السياق والمنح العام للآيات يتطلب هذا ولا ملزم على الله ، فلما خاطب الله