فهرس الكتاب
)) ففرج الله عن ذلك العبد الصالح همه بعد أن ذكر هذا الدعاء. موطن الشاهد منه أنه لا يملك الضر والنفع إلا الله فما دام الأمر إلى ذلك فإن أعظم مقامات التوحيد أن يفر المؤمن إلى الله جل وعلا وينقطع إليه وحده دون سواه كما قال العبد الصالح { وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } مما دلت عليه هذه السورة الكريمة من قضاياها أن الله جل وعلا ما ابتلى أحد بذنب أو بلاء أو عقوبة أعظم من قسوة القلب قال وهب بن منبه - رحمه الله -: (( ما أبتلى الله قوم بشئ أعظم من قسوة قلب ) )قال الله جل وعلا { أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ومن هنا أختلف العلماء في بيانها نحويًا ولغويا لكن الأظهر كما أختاره الطبري - رحمه الله - أنها بمعنى ( عن) فيصبح معنى العبارة [ فويل للقاسية قلوبهم عن ذكر الله ] ومعنى قوله جل شأنه [ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم عن ذِكْرِ اللَّهِ] قال العلماء في بيانها جملةً إذا كان القلب معرضًا عن الله ملتفتًا إلى غيره فهذا قلبٌ قاسيٍ وإذا كان القلب مقبلًا على الله معرضًا عن غير الله فهذا هو القلب اللين وما أبتلى العبد بشئ أعظم من أن يتمثل ويتعلق بالأشباح والصور من دون الرب تبارك وتعالى ويعرض عن الله يجد أنسه وفرحته في مجالس لا يذكر الله جل وعلا فيها طرفه عين ، يجد فرحته وأنسه في مواطن يُعصى الله جل وعلا فيها جهارًا ، يجد أنسه ورغبته وحياته في سفر بعيد عن مواطن يرفع فيها الآذان وتقام فيها الصلوات .