فما أن أمره الله جل وعلا بالأمر إلا وأذعن إليه وأستسلم له وأنقاد إليه دون أن يتردد عليه الصلاة والسلام برهة واحدة في الإذعان لربه علام الغيوب جل جلاله وهذا من أعظم الدلائل على ما فطر عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام من الاستسلام لله بعد هذا لا غروا ولا عجب أن نسمع في القرآن ثناء الله تبارك وتعالى على إبراهيم ونسمع في القرآن أن الله جل وعلا أخبر أن إبراهيم كان أمة قانت لله حنيفا ولم يكن من المشركين ونسمع من رسولنا صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم أول من يكسي من الخلائق يوم القيامة فهذا الثناء العطر الذي أبقاه الله لإبراهيم في الآخرين وماله عند الله جل وعلا يوم القيامة من منزلة عظيمة إنما نالها هذا العبد الصالح وهذا النبي التقي بإذعانه وانقياده واستسلامه لرب العالمين تبارك وتعالى ومما يؤيد أن القلوب المؤمنة إنما تمتثل لأمر الله دون تردد أنه ورد في الآثار كما هو معلوم أن الله جل وعلا خلق آدم من تراب قال الله تبارك وتعالى - ( ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ) - [الروم/20] ورد في الآثار مما جاء في تفسير هذه الآية الكريمة أن الله جل وعلا لما أراد أن يخلق آدم من قبضة من الأرض بعث ملك من الملائكة ليقبض له قبضة من الأرض فلما قدم هذا الملك إلى الأرض قالت له الأرض أعوذ بالله منك فقال لقد عذتي بعظيم وعاد إلى ربه دون أن يقبض من الأرض شيئا فلما سأله ربه وهو أعلم بما صنع قال يارب لقد استعاذت بك فأعذتها فبعث الله ملك آخر فلما وصل إلى الأرض وهم أن يقبض منها قبضة كما أمره الله قالت له الأرض أعوذ بالله منك فرجع إلى ربه فلما سأله ربه وهو أعلم قال يا ربي استعاذت بك فأعذتها فبعث الله ملك ثالثًا فلما هم أن يقبض من الأرض قالت: أعوذ بالله منك فقال وأنا أعوذ بالله أن لا أنفذ أمره فأخذ قبضة من الأرض وعرج بها إلى السماء والمقصود منه هذا الإذعان لأمر رب العالمين تبارك وتعالى