ففي ساحات الحروب كانوا يحيطون به ، دفاعا عنه صلى الله عليه وسلم لأن ذلك ما تمليه المحبة وقتها ، فإذا كان بين أظهرهم وجلسوا معه في مجلسه ، حَفُّوا به وغضوا أبصارهم عنه وهابوا أن يتكلموا بين يديه ، واستحيوا أن يتقدموا بين يدي الله ورسوله ، فإذا أصابهم الأذى وعرضت عليهم الدنيا ، لم يقبلوها رجاء أن يرضى الله عنهم ورسوله صلى الله عليهم ورسول الله .
يقدم خبيب رضي الله عنه ليصلب وليقتل فيقول له قاتلوه من مشركي قريش آن ذاك:"أيسرك أنك في بيتك معافا وأن محمدا مقامك ؟؟"فيقول رضي الله عنه وأرضاه:"لا والله ما يسرني ذلك، ولا أن يشاك محمد صلى الله عليه وسلم بشوكة ."
وهم مع ذلك رضي الله عنهم يعلمون أنه صلوات الله وسلامه عليه بشر أكرمه الله بالنبوة ، وختم به الرسالة ، فيأخذون عنه الدين ، ويأخذون عنه العلم ويتعلمون منه ما يقربهم إلى الله جل وعلا زلفى .
فلما توفي صلوات الله وسلامه عليه تذكر من كان حيا بعده أيامه صلوات الله وسلامه عليه ، جاء أبوبكر إلى المنبر وكان أبوبكر يعلم أن هذا المنبر طالما جلس وقام عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستحيى أن يجلس في المكان الذي كان يجلس فيه صلى الله عليه وسلم يجلس فيه ، ونزل درجة على المنبر ، ثم خطب في الناس قائلا: ( أما إنكم تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قام مقامي هذا فقال - فغلبته عيناه ، ولم يستطع أن يكمل ثم أعاد العبارة ، فغلبته عيناه فلم يستطع أن يكمل ، ثم أعادها ثالثا فغلبته عيناه فقال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال"إن الله ما أعطى أحدا شيء أعظم من العفو والعافية ، فاسلوها الله عزوجل"، ثم أتم حديثه رضي الله عنه وأرضاه .
فإذا قدر لأحدهم أن تدنوا ساعة رحيله فطاف به حوله أقربوه في ساعة الاحتضار ، كان كثيرا منهم رضي الله عنهم وأرضاهم يقول:"غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه"صلوات الله وسلامه عليه .