فهرس الكتاب
نعود فنقول: إنهم قالوا (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) مر معنا أن الجواب الإلهي يتحرى ويتوخى إقحام الخصم ، وبينا في قضية (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ) أنهم جمعوا بين نقيضين أنهم ارتقوا بالملائكة وفي نفس الوقت وصفوهم بأنهم إناث .
هنا يقول الله لهم ) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) معنى الآية ـ مباشرة ـ: أن الله يقول لهم: أنتم تعترفون الأرزاق إنما يقسمها الله وهذا لا خلاف فيه عندهم ، ومعلوم أن عطاء النبوة أعظم من عطاء الأرزاق ، فإذا كنا لم نسند إلى أحد من الخلق تقسيم الأرزاق فكيف نسند إليه تقسيم النبوة ؟! واضح فهذا هو المعنى المقصود من الآية .
فإذا كُنّا لم نُسند إلى أحدٍ من الخلق تقسيم الأرزاق وهي دون النبوة فكيف تزعمون أنّنا أسندنا إليكم تقسيم النبوة .
إذا كلمة ) رحمة ( في الأول بمعنى النبوة ) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ) هنا المقصود بها النبوة (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ) اللام للتعليل ، ولهذا نصب الفعل ..
(لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا)
أي أن الله جل وعلا لم يجعل الناس على منزلة واحدة ، خادم ومخدوم أمير ومأمور ملك ومملوك عبد وحُر ، حتى تستقيم الحياة ، وعلى هذا طُبعت الدنيا وجُبل الكون حتى يستقيم الأمر وينتفع الناس جميعا ..
(لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)
أما الرحمة هنا فالصواب ـ عندنا ـ أنها بمعنى الجنة . الرحمة الأولى بمعنى النبوة ورحمة الثانية بمعنى الجنّة قال الله تعالى (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)