فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 800

أيها الأخوة, قبل أن أنطلق في الحديث عن حياته ومواقفه وعن بطولاته ومكانته الرفيعة التي أكرمه الله بها، أريد أنْ أنقل إليكم شُعورًا انْتابني وأنا أُطالعُ سيرة هذا الصحابيِّ الجليل قبل قُدومي إليكم, لَفَتَ نظري أنَّ هؤلاء الصحابة قاسَوا شدائد الحياة, فطعامُهُم ولِباسُهم خَشِنٌ، حياتهم كلُّها متاعب وغزوات وقِتال ودِفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وفي تَصَوُّري وأنا موقِنٌ بِهذا التصَوُّر أنهم كانوا أسعد الناس، تشعر أنّ أحدهم يكادُ يمْتلئُ سعادةً وشُعورًا بأنه إنْسانٌ كريمٌ على الله، وفجأةً قفَزَتْ إلى نفْسي صُورة إنسانٍ مُعاصِر عاش حياة الدَّعة والرخاء، يأكل أفضل الطعام، ويسكُنُ في أفْخَرِ منزل, تَكْييف وتدفئة مركزيَّة، كُلُّ شيءٍ جميل حوله، وشَعَرت أنَّ مثل حياة الإنسان المُعاصِر الذي خلَتْ حياتُه من البُطولة، ومن التضْحِيَة، ومن الإيثارٍ، ومن حُبٍّ لله ورسوله، ومن رِسالةٍ يحْمِلُها، ودَعْوةٍ يدْعو إليها، ومن عملٍ صالحٍ يُقَدِّمُه، ومن قلْبٍ ينْبِضُ بِالرحمة، إنْسانٌ خَلَتْ حياته من هذه المشاعر، وتِلك المُهِمات المُقدَّسة، مثل هذا الإنسان يشْعر بِتَفاهَتِهِ وهوانِهِ على الناس، ولو عاش في أعلى درجات النعيم، صحابِيٌّ جليل حياته كلُّها متاعب يقود جُيوشًا قِيادةً لا أرْوَع ولا أعظم منها، يدْخُلُ عليه الخليفة عمر بن الخطاب فإذا غُرْفَتُه فيها قِدْر ماء، وجِلْدٌ قد ذهب ريشُهُ، ورَغيفُ خُبْزٍ قد غطى به قِدْر الماء، وسَيْفٌ مُعَلَّقٌ على الحائِط، سيِّدُنا عمر الزاهد المُتَقَشِّف فوجئ, أهذه غُرْفَة أمين الأُمّة وقائد الجيش؟ قال له: ما هذا يا أبا عُبيدة؟ قال: هو للدنيا، وهو على الدنيا كثير، ألا يُبَلِّغُنا المقيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت