فهرس الكتاب
شَعَرْتُ بِأحاسيس أردْتُ أنْ أُعَبِّرَها لكم، كلُّ الدنيا لو كانت بِيَد الإنسان, الدنيا بِأموالها وبُيوتِها ومُتَنَزَّهاتِها وقُصورِها ومرْكَباتِها وطائِراتها ونِسائِها, كُلُّ ما لذَّ وطاب فيها، لا تسْتطيعُ الدنيا بِأكْمَلِها أنْ تمْنح الإنسان سعادةً، وهؤلاء الصحابة الذين عاشوا حياةً مملوءةً بالشَّقاء فيما يبْدو, هِجْرةٌ اقتلعت الإنسانَ من جذوره، لقد هاجَرَ أبو عبيدة إلى الحَبَشَة وإلى المدينة، وشَهِد كلّ المشاهد، وكان أكبر مُدافِعٍ عن رسول الله حتى إنه نزع حلَقَةً غُرِسَتْ في وَجْنة النبي عليه الصلاة والسلام بِأسْنانه، فنزع الحلقة الأولى بِفَمِه فانْكسرت سِنُّهُ الأمامية، ونزع الحلقة الثانِيَة بِفَمِه فانكسرت سِنُّهُ الأخرى فصار أهتمَ، ومات بالطاعون، وهو أمين هذه الأمة، شَعَرْتُ أنَّ الله عز وجل إذا تجلى على قلب المؤمن بالرحمة أسْعَدَهُ سعادَةً لا توصَفُ.
فما هؤلاء الرجال؟ واللهِ إنْ كانوا بشَرًا فَنَحْنُ لسْنا من بني البشر، وإنْ كُنا بشَرٌ فهم فوق البشر، هم مُلوك الدار الآخرة، وما هذا الحُبّ الذي في جوانِحِهم؟ وما هذا الشوْقُ الذي ينْبضُ بِه قُلوبهم؟ كلما قرأتَ تاريخ هذا الصحابي مهما تعدَّدَت مرَّات القراءة تشْعُر أنَّك تَقِفُ أمام إنْسانٍ عظيم، من أيِّ جامِعَةٍ تَخَرَّج؟ هل يحْمِلُ دُكْتوراه؟ كم كِتابًا قرأ؟ فإذا اتَّصل الإنسانُ بالله أصْبح شيئًا آخر، يُمْكن أنْ يُلْغى عنده مع الاتِّصال بالله كلُّ شيء، أرجو الله جلّ جلاله أنْ يُمَكِّنَني من نقْل صورة صادِقَةٍ مُشْرِقَةٍ عن هذا الصحابيّ الجليل الذي هو أبو عُبَيْدة بن الجراح.
إليكم الحديث عن صفاته الخَلقية والخُلقية كما ذكره الذاكرون: