فالنبي صلى الله عليه وسلّم إنْسانٌ عظيمٌ جدًا ووقورٌ جدًا وهو سيِّدُ الأنبياء, ومع ذلك يشْتاقُ لزيد إذا غاب عنه, وهذا هو مُجْتمع المؤمنين, على عكس مُجْتمع الدنيا، إذ يضْحك لك أحدهم ويبتسمُ لك ابْتِسامة صفراء وهو يكيد لك, الذي لفتَ نظري أنَّ النبي يشْتاقُ إليه, هذا المُتَّصِل بالله عز و جل والذي يأتيه الوَحْي وأسْعد الخلق يشْتاقُ لِسَيِّدِنا زيْد قصير القامة، شديد السُّمْرة، في أنفِهِ فَطس، وهو حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقد كان يشْتاقُ إليه إذا غاب عنه, ويفْرَحُ بِقُدومه إذا عاد إليه, ويلْقاهُ لِقاءً لا يَحظى بِمِثْله أحد، هذا هو الوفاء، وكأنَّ لِسانَ حالِ النبي عليه الصلاة والسلام: أنت يا زيد آثرْتني على والِدَيْك وبقيتَ عندي أفلا أُحِبُّك أشَدَّ من حُبِّك لي؟.
السَيِّدة عائِشَة رضي الله عنها تَرْوي مشْهدًا, تقول: (( قَدِمَ زيد بن حارِثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم في بيتي فقَرَعَ الباب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتَخَفِّفًا من ثِيابه, فلما علِمَ أنَّ زيْدًا قد جاء فَمِن شِدَّة شَوْق النبي لِزَيْدٍ واهْتِمامه به نَسِيَ أنْ يرْتَدي ثِيابه الخارِجِيَّة, فلما قرع الباب قام إليه النبي عليه الصلاة والسلام بِثِيابه الخفيفة, ومضى نحو الباب يَجُرُّ ثَوْبَهُ فاعْتَنَقَهُ وقبَّلَهُ, ووالله ما رأيْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يسْتقبل أحدًا قبله ولا بعده بِهذه الثِّياب ) )وهو مَشْهَدٌ من مشاهد حُبِّ النبي لِهذا الصحابيِّ الجليل، شاعَ هذا الأمر بين الصحابة حتى إنَّ الصحابة سَمَّوْهُ بِزَيْد الحِبّ أيْ محْبوبهُ, وأطْلقوا عليه لقب حِبَّ رسول الله, ولَقَّبوا ابنه أسامة من بعده بِحِبِّ رسول الله وابن حِبِّه.
كيف استشهد هذا الصحابي؟