بادئ ذي بدْء في قِصَّة هذا الصحابِيِّ الجليل حقيقةٌ خطيرة, وهي أنَّ الكافِر بالتعبير الحديث عُنْصُرِي بِمَعْنى أنهْ يحْتَقِر الآخرين، ويقْبَلُ أنْ يبْنِيَ حياته على مَوْت غيره، وغِناهُ على فقْرِه، وأمْنَهُ على خَوْفِهم، يرى أنَّ الحياة له وحْده، وأنَّها من حقِّهِ هو فقط، يُمْكِن أنْ يأكُل لِيَجوع الآخرون هذه نظْرَةٌ عُنْصُرِيَّة, أيُّ إنْسان لأيِّ انْتِماء ومن أيِّ مشْرب إذا رأى أن له الحق أنْ ينطلق هذا المُنْطَلق فَهُو عُنْصُري، كما أنه بعيدٌ عن الإيمان بالله عز وجل بُعْد الأرض عن السماء، أما المؤمن يرى أنَّ الناس كلَّهُم عباد الله، وأنَّ أيَّ مَخْلوقٍ إنْ زاد في طاعَتِهِ لِرَبِّه يرْقى في مرْتَبَتِه، يُصَدِّقُ قوله تعالى:
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
(سورة الحجرات الآية: 13)
لا يرْفَعُ الإنسان عند الله إلا طاعته لله، لذلك فالمؤمن قد يرى شَخْصًا فقيرًا لكنَّهُ يعْرف الله حقًا ويعبده, فيُكِنُّ له في قلْبِهِ أعظم التقْدير، قد يكونُ مُديرًا عامًا لِمُؤَسَّسَةٍ ضَخْمة وعنده حاجِب, هذا الحاجِب مُستقيمٌ على أمر الله لا يُعامِلُهُ إلا كما يُعاملُ نفْسه, فهذا هو المؤمن، اِحْذَر أيها الأخ الكريم أنه إذا انْطَلَقْتَ من أنَّك إنْسانٌ آخر, ولك مَيِّزات, ولك حقُّ الحياة, ولك حقّ أنْ تأكلُ ما تشْتهي بينما الذين حوْلك, تقول: ما شأني وشأنَهُم, إذا كانَ بالإمْكان أنْ تنْطَلِق بِهذا المُنْطلق فَبَيْنَك وبين الإيمان مراحل فسيحة.