انظروا أيها الأخوة, إلى هذا الشاب الأنيق، الناعم، الذي حباه الله ببحبوحة الحياة و بأناقة المظهر، وبحسن الطلعة، هذا الشاب سمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف أنه جاء بالتوحيد؟ وكيف أنه دعا الناس إلى الإسلام؟ وكيف أنه مع أصحابه القلة الخُلّص؟ كانوا في دار الأرقم بن أبي الأرقم، هذا الصحابي، بدافع حب الحقيقة، بدافع رغبته الجامحة في معرفة شأن هذا النبي، توجه إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، ليلتقي النبي عليه الصلاة والسلام ويبدو أن هذا الشاب ينطوي على حب للحقيقة، وإيثار للحق، فما إن رأى النبي عليه الصلاة والسلام حتى تجاوبت نفسه معه، وهفا قلبه إليه، ومد النبي عليه الصلاة والسلام يده ليصافحه، وليمسح عن صدره آثار الجاهلية، وكانت لحظة إيمانٍ رائعةٍ سرت في أحناء هذا الصحابي الجليل، وأعلن إسلامه على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
التجربة القاسية التي عاشها مصعب مع أمه أثناء إسلامه:
لِهذا الصحابي أم اسمها خناس بنت مالك، تتمتع هذه الأم بقوة في شخصيتها فذة، وقد تجد في كل عصر أما قوية الشخصية, يهابها أبناؤها إلى درجة الخوف، يأتمرون بأمرها بقوة سحرية, يخافون غضبها، يرجون رضاها، أم هذا الصحابي الجليل سيدنا مصعب بن عمير، كانت مهابةً إلى حد الرهبة, قال مصعب حينما أسلم: لم يكن يخاف أحدًا، ولا يخشى أحدًا, ولا يحسب حساب أحدٍ إلا أمه، كيف سيواجه أمه بإسلامه؟.
كما هي العادة فكر في كتمان إسلامه، وبالمناسبة, فإن الإنسان أحيانًا يمرُّ في ظروف صعبة جدًا، وفي حالات استثنائية يجد من المناسب أن يكتم إيمانه، وقد ورد في القرآن الكريم إشارة إلى ذلك:
{وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ}
(سورة غافر الآية: 28)