فخرج يومًا على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما إن بصروا به، حتى حنوا رؤوسهم, وغضوا أبصارهم، وذرفت بعض عيونهم دمعًا شجيًا, ذلك أنهم رأوه يرتدي جلبابًا مرقعًا باليًا، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه، حيث كانت ثيابه كزهور الحديقة نضرة وعطرة, تمّلى النبي الكريم به جيدًا، تملّى مشهده بنظرات حكيمة شاكرة، محبة، وتألقت على شفتيه ابتسامة جليلة, وقال:
(( لقد رأيت مصعبًا هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبًا لله ورسوله ) )
إذا كان الإنسان ذا دخل محدود، وبإمكانه أن يحصل على أموال طائلة بطريق غير مشروع، فاختار طاعة الله، ودخله المحدود جعله يرتدي ثيابًا من الدرجة الخامسة، وبيته متواضع، وأكله خشن، فأنا أرى أن هذا وسام شرف، كله زائل أيها الأخوة، يعني إذا أنت آثرت الحق, آثرت أن تستقيم على أمر الله، آثرت أن ترضي الله عز وجل، آثرت ألا تأكل حرامًا، آثرت أن تأكل من كد يدك، وعرق جبينك، آثرت ألا تأكل مالًا ليس لك، هذا الدخل الشرعي الحلال الطيب القليل, لكن هذا الدخل القليل جعلك تسكن بيتًا صغيرًا، وأن تأكل طعامًا خشنا, ً وأن ترتدي ثيابًا من الدرجة الخامسة، فهل تستحيي مما أنت عليه؟ إن كنت تستحيِ مما أنت فيه، فأنت لا تعرف الله.