فهرس الكتاب
ولهذا الصحابي الجليل مواقف بطولية، فمن يصدق أن بلاد نهاوند بأكملها فتحت على يده, وهاأنذا أقول كلمة كنت قد ذكرتها في خطة الجمعة: عمرك الذي تمضيه بين الولادة والوفاة لا قيمة له إطلاقًا، هذا أتفه أعمالك، لكن عمرك الحقيقي هو حجم عملك الصالح، هذا العمل كلما اتسعت رقعته، وكلما عم خيره، وكلما أمتد أمده، وكلما اشتد أثره, كان أعظم عند الله عز وجل، وهذا العمل الصالح كلما كثرت المعوّقات أمامه، وكلما كثرت الصوارف عنه فهناك صوارف كثيرة، والأعوان قلائل، وكلما كان هذا العمل في زمن الفساد، إذا تجبّر الأقوياء، وجار الأمراء، وأُترف الأغنياء, وداهن العلماء، وظهرت الفاحشة، كلما كان العمل أعظم عند الله عز وجل.
يا بِشر, لا صدقة ولا جهاد, فبم تلقى الله إذًا؟ هذا السؤال الكبير، الإنسان حينما ينتهي أجله، بم يلقى الله؟ قل لنفسك: ما العمل الذي فعلته حتى أستطيع أن ألقى الله به.
كلام سيدنا حذيفة الأخير: (( ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة، ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا، ولكن الذين يأخذون من هذه ومن هذه ) ).
إليك لحظته الأخيرة من الدنيا قبل الوداع:
حينما جاءه ملك الموت دخل عليه بعض أصحابه، فسألهم: (( أجئتم ومعكم أكفان؟ قالوا: نعم, قال: أروني إياها, فلما رآها، وجدها جديدة فارهة, فارتسمت على شفتيه آخر بسماته الساخرة، وقال لهم: ما هذا لي بكفن، إنما يكفنني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص، فإني لن أترك في القبر إلا قليلًا، حتى أبدل خيرًا منهما أو شرًا منهما, وتمتم بكلمات، ألقى الجالسون أسماعهم إليها فسمعوها, ماذا قال؟ قال: مرحبًا بالموت، حبيبٌ جاء على شوق، لا أفلح من ندم, وصعدت روحه إلى السماء ) ).