بلغ النبي عليه الصلاة والسلام مصرع القواد الثلاثة، فحزن عليهم أشد الحزن، وانطلق إلى بيت ابن عمه جعفر، من شدة حزن النبي أراد أن يبلغهم هو بنفسه هذا النبأ المحزن، ليكون وقعه عليهم خفيفًا، انطلق إلى بيت جعفر فألفى زوجته أسماء تتأهب لاستقبال زوجها الغائب، فهي قد عجنت عجينها، وغسّلت بنيها، ودهنتهم، وألبستهم.
قالت أسماء: (( فلما أقبل علينا النبي عليه الصلاة والسلام، رأيت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم، كثرتْ المخاوف في نفسي، غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر، مخافة أن أسمع منه ما أكره، فحيا وقال: ائتني بأولاد جعفر، فدعوتهم له، فهبوا نحوه فرحين مزغردين وأخذوا يتزاحمون عليه كلٌ يريد أن يستأثر به فأكب عليهم.
(أيها الأخوة, من يحب شخصًا يحب أولاده، هذه قاعدة صحيحة، فمحبة الآباء تورث محبة الأبناء) ، أقبل نحوهم، وتشممهم، وعيناه تذرفان من الدمع، فقلت: يا رسول الله, بأبي أنت وأمي، ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء، قال: نعم، وألقى الكلمة الفاجعة، لقد استشهدوا هذا اليوم، عندئذ غاضت البسمة من وجوه الصغار، لما سمعوا أمهم تبكي, وجمدوا في أمكنتهم، وكأن على رؤوسهم الطير، أما النبي عليه الصلاة والسلام فمضى وهو يكفكف عبراته, ويقول: (( اللهم اخلف جعفرًا في ولده، اللهم اخلف جعفرًا في أهله, ثم قال: لقد رأيت جعفرًا في الجنة له جناحان مضرجان بالدماء، وهو مصبوغ القوادم ) )إنها مرتبة عالية عند الله، إنها الشهادة.
والله أهم ما في الدنيا طاعة الله، وما فيها شيء أفضل من القرب من الله عز وجل، ما لها وزن إلا أن تكون عند الله مرضيًا، فإذا رضي الله عنك لا تسأل عن الدنيا، ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.
والحمد لله رب العالمين.