كان سيدنا جعفر شديد الحدب على الضعفاء والمساكين، كثير البر بهم، حتى إنه كان يلقب بأبي المساكين، أخبر عنه أبو هريرة, فقال: (( كان خير الناس لنا معشر المساكين، فقد كان يمضي بنا إلى بيته فيطعمنا، حتى إذا نفد طعامه أخرج لنا العكة التي يوضع فيها السمن, وليس فيها شيء فنشقها, ونلعق ما علق بداخلها ) ).
إليكم قصة استشهاده:
في أول السنة الثامنة للهجرة جهز النبي صلوات الله عليه جيشًا لمنازلة الروم في بلاد الشام، وأمر على هذا الجيش زيد بن حارثة, وقال: (( إذا قتل زيد أو أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر أو أصيب فالأمير عبد الله بن رواحه، فإن قتل عبد الله بن رواحه أو أصيب فليختر المسلمون لأنفسهم أميرًا ) ).
فلما وصل المسلمون إلى مؤتة, وهي قرية واقعة على مشارف الشام في الأردن, وجدوا أن الروم قد أعدوا لهم مئة ألف تظاهرهم مئة ألف أخرى، من نصارى العرب، من قبائل لخم وجذام وقضاعة، أما جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف، وما إن التقى الجمعان ودارت رحى الحرب حتى خر زيد بن حارثة صريعًا مقبلًا غير مدبر، فما كان إلا أن أسرع جعفر بن أبي طالب وترجل عن ظهر فرسه، كانت له شقراء وثب عنها, وبدأ يقاتل الجيش مشيًا على قدميه, وحمل الراية, وأوغل بها في صفوف الروم, وهو ينشد, فاسمعوا نشيده:
يا حبذا الجنة و اقترابها طيبة وباردٌ شرابها
الروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها
وظل يجول في صفوف الأعداء بسيفه, ويصول حتى أصابته ضربة قطعت يمينه، فأخذ الراية يمينه, فأمسك الراية بشماله، فما لبث أن قطعت شماله، فأخذ الراية بصدره وعضديه، فما لبث أن أصابته ثالثة، فأخذ الراية منه عبد الله بن رواحه فما زال يقاتل بها حتى لحق بصاحبيه )) .