فما إن سَمِع النجاشي قول جعفر حتى ضرب بيده الأرض، وقال: والله ما خرج عيسى بن مريم عما جاء به نبيكم مقدار شعرة، هذا هو الحق, عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول, فتناخرت البطاركة من حول النجاشي، تناخرت معناها, أخرجوا أصوات من أنوفهم، فقال النجاشي: وإن نخرتم، هذا الذي قالوا عنه هو الحق ثم التفت, وقال: اذهبوا فأنتم آمنون في أرضي، من سبكم غرم، ومن تعرض لكم عوقب، فأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين، ثم نظر إلى عمرو وصاحبه، وقال: ردوا على هذين الرجلين هداياهم فلا حاجة لي بهما.
(أرادوا أن يستأصلهم من جذورهم، لكن لم يستطيعوا, كن مع الله تَرَى الله معك, واترك الكل وحاذر طمعك، وإذا أعطاك من يمنعه، ثم من يعطي إذا ما منعك، إنما أنت له عبد) .
قالت أم سلمة: فخرج عمرو وصاحبه مكسورين، مقهورين، يجران أذيال الخيبة، أما نحن فقد أقمنا عند النجاشي بخيرِ دارٍ مع أكرم جار )) .
أيها الأخوة, كن مع الحق ولا تبالِ, قال له يا غلام: (( لو أن الأمة اجتمعت على إن ينفعوك بشيء لم ينفوك بشيء إلا قد كتب الله لك، ولو أن الأمة اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتب الله عليك ) ).
وفي السنة السابعة للهجرة غادر سيدنا جعفر مع نفر من المسلمين بلاد الحبشة متجهين إلى يثرب فلما بلغوها كان عليه الصلاة والسلام عائدًا من خيبر بعد أن فتحها الله له، ففرح بلقاء جعفر فرحًا شديدًا، حتى قال: (( والله ما أدري بأيهما أنا أشد فرحًا بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ) )هكذا علاقة المؤمنين، علاقة الحب، علاقة الشوق، علاقة الوفاء، علاقة المؤاثرة، والمسلمون فرحوا كما فرح النبي عليه الصلاة والسلام.