فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 800

ذات مرة قلت لكم: كان الأحنف بن قيس في مجلس معاوية بن أبي سفيان، وهذا المجلس عُقِد لأخذ البيعة لابنه يزيد، وكل من حضر المجلس تكلم، وأثنى، وأطنب، ومدح، وبالغ في المديح أمام أبيه، وبقي الأحنف ساكتًا، سكوته أربك المجلس، بل أحرج الحاضرين، فما كان من معاوية إلا أن قال له تكلم يا أحنف، لماذا أنت ساكت؟ فقال الأحنف كلمتين، فيهما بيان، وأيّ بيان، قال: (( أخاف اللهَ إنْ كذبت، وأخافكم إن صدقت ) )فكانت كنايتُه أبلغ من التصريح، أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت.

كذلك هناك أشخاص، ومنهم أبو حنيفة النعمان، فقد دخل على المنصور، وقال له خصم عنيد له: يا أبا حنيفة, إذا أمرني الخليفة بقتل امرئ أأقتله أم أتريث فلعله مظلوم؟ فقال أبو حنيفة: (( الخليفة على الحق أم على الباطل؟ قال له: على الحق، قال له: كنْ مع الحق, فقال أبو حنيفة: أراد أن يقيِّدني فربطتُه ) ).

بعض الأشخاص أصحاب فطنة، أصحاب بديهة، يسعفهم الجواب المفحم مباشرة، هي قدرة في الإنسان، اسمها القدرة على الإقناع.

لكن بالمناسبة من يملك هذه القدرة على الإقناع يملك قدرة على قلب الحق إلى باطل، فالباطل عندئذ يبدو بحجم أكبر من حجمه، من كان يملك قدرة على أن يحطم خصومه بالكلام، فهذه القدرة يوم القيامة يفقدها الإنسان, الدليل:

{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}

(سورة يس الآية: 65)

طلاقة اللسان تنتهي يوم القيامة، لأن يومئذ العمل يشهد على صاحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت