فهرس الكتاب
قالت: ومنذ ذلك اليوم جعلت أخرج كل غداة إلى الأبطح، فاجلس في المكان الذي شهد مأساتي، وأستعيد صورة اللحظات التي حيل خلالها بيني وبين ولدي وزوجي، وأظل أبكي حتى يخيم عليَّ الليل.
-إذًا: الذي أودعه الله في قلب الزوجة من محبة لزوجها، والذي أودعه الله في قلب الزوج من محبة لزوجته، ومن محبة الزوجين لابنهما، ومن محبة الابن لوالديه، فهذه رحمة من الله سبحانه أودعها الله في قلوبَ عباده.
لذلك فالنبي الكريم, قال: ليس منا من فرق بين والدة وولدها، وينطبق هذا القولُ على كل إنسان يفرِّق بين أم وولدها، حتى لو كانا من البهائم، فالمفرِّق ملعون، لأن الذي أودعه الله في القلوب لا تمحوه الأحداث أبدًا، لذلك قال تعالى:
{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
(سورة الروم الآية: 21)
وبقيت على ذلك سنة، أو قريبًا من السنة، إلى أن مر بي رجل من بني عمي فرَقَّ لحالي، ورحمني، وقال لبني قومي: ألا تطلقون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها، وبينها وبين ولدها، وما زال بهم يستلين قلوبهم، ويستدر عطفهم, حتى قالوا: الْحقي بزوجك إن شئت، ولكن كيف ألحق بزوجي وهو في المدينة، وأترك ولدي وفلذة كبدي في مكة عند بني عبد الأسد؟ كيف يمكن لي أن تهدأ هذه اللوعة، أو ترقأَ عَبْرة، وأنا في دار الهجرة، وولدي الصغير في مكة لا أعرف عنه شيئًا؟ )) فقلب الأم، وقلب الأب، يؤكد عظمة الله عز وجل، قلب الأم يؤكد رحمة الله عز وجل.
عودة ابنها إليها ولحاقها بقوافل المهاجرت إلى المدينة: