وفي ذات يوم من أواخر أيام خلافة عمر قدم على المدينة رسل سعد بن أبي وقاص يبشرون خليفة المسلمين بالفتح، ويحملون إلى بيت مال المسلمين خمس الفيء الذي غنمه الفاتحون، فلما وضعت الغنائم بين يدي عمر نظر إليها في دهشة، فقد كان فيها تاج كسرى المرصع بالدر، وثيابه المنسوجة بخيوط الذهب، ووشاحه المنظوم بالجوهر، وسواراه اللذان لم تر العين مثلهما قط، ومالا حصر له من النفائس الأخرى، فجاء عمر يقلب هذا الكنز الثمين بقضيبٍ كان بيده، ثم التفت إلى من كان حوله، وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وإلى جانبه سيدنا علي, فقال له: (( ما الذي يبكيك؟ أعجبت من أمانة هؤلاء؟ فقال له الفاروق: إنّ قومًا أدُّوا هذا لأُمناء حقًّا، -تاج كسرى ثمنه مئات الملايين، لو أن هذا الذي أخذه ذهب به إلى أنطاكية لعاش أغنى الأغنياء- قال له: يا أمير المؤمنين، لقد عففتَ فعفُّوا، ولو وقعتَ لوقعوا ) ).
دعا الفاروق رضوان الله عليه سراقة بن مالك فألبسه قميص كسرى، وسراويله، وقباءه، وخفيه، وقلده سيفه، ومنطقته، ووضع على رأسه تاجه، وألبسه سواريه، عند ذلك هتف المسلمون الله أكبر الله أكبر، لقد تحققت نبوءة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذه النبوءة ليست من عند النبي، إنما هي وحي أوحي إليه، ثم التفت عمر إلى سراقة, وقال: (( بخٍ بخٍ يا سراقة أعرابيٌ من مدلج على رأسه تاج كسرى، وفي يديه سواراه، ثم رفع عمرُ رأسه إلى السماء، وقال: اللهم إنك منعتَ هذا المال لرسولك، وكان أحبَّ إليك مني، وأكرمَ عليك، ومنعته أبا بكرٍ، وكان أحبَّ إليك مني, وأكرمَ عليك، وأعطيتنيه، وأعوذ بك أن تكون قد أعطيتنيه لتمكر بي، ثم لم يقم من مجلسه حتى قسمه بين فقراء المسلمين ) )وانتهى الأمر.
هكذا كان أصحاب النبي، وهكذا كان عطاؤهم، وورعهم، وتواضعهم، وهذه بعض الحقائق التي يمكن أن نستنبطها من قصة هذا الصحابي الجليل سراقة ابن مالك.
والحمد لله رب العالمين.