عند ذلك أعدّ سراقة بن مالك راحلته، ومضى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه بين يديه، ومعه العهد الذي كتبه له قبل عشر سنوات، قال سراقة: (( لقد أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، فدخلتُ في كتيبة الأنصار، فجعلوا يقرعونني بكعوب الرماح, ويقولون: إليك إليك، ماذا تريد؟ فما زلتُ أشقُّ صفوفهم حتى غدوتُ قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على ناقته فرفعت يدي بالكتاب، وقلت: يا رسول الله, أنا سراقة بن مالك، وهذا كتابك لي، فقال عليه الصلاة والسلام: يوم وفاء وبر، ادنُ، فأقبلت عليه، وأعلنتُ إسلامي بين يديه، ونلتُ من خيره، وبره، ولم يمضِ على لقاء سراقة بن مالك برسول الله غير زمن يسير حتى اختار الله نبيه إلى جواره.
حزن سراقة أشد الحزن، وجعل يتراءى له ذلك اليوم الذي همَّ بقتله، من أجل مئة ناقة )) وكيف أن نوق الدنيا كلها قد أصبحت اليوم لا تساوي عنده قلامة من ظفر النبي؟ هذا الإيمان، قال أبو سفيان لخبيب بن عدي: (( أتحبُّ أن تكون مع أهلك ومحمد مكانك يُصلَب؟ قال له: واللهِ ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة ) ).
الإسلام كله حب، وإيثار، وإخلاص، ووفاء، وحينما لم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولم يبق من القرآن إلا رسمه، وحينما يفرغ الدين من قيمه، ويصبح طقوسًا، وعباداتٍ جوفاء، فاقرا على المسلمين السلام.
ثم دارت الأيام دورتها كرةً أخرى، وآل أمر المسلمين إلى الفاروق رضوان الله عليه، وهبت جيوش المسلمين في عهده المبارك على مملكة فارس، فطفقت تدكُّ الحصون، وتهدم الجيوش، وتهز العروش، وتحرز الغنائم.