هذا الصحابي الجليل كان فتىً يقظَ الفؤاد، ألمعي الذكاء، خرّاجًا ولاّجًا, وهو تعبير يشفُّ عن مرونته، وعن ذكائه الاجتماعي, مرة سأل معاويةُ بن أبي سفيان عمرَو بن العاص وكانا من دهاة العرب، قال يا عمرو: (( ماذا بلغ من دهائك, قال: واللهِ ما دخلتُ مدخلًا إلا أحسنت الخروجَ منه، فقال يا عمرو: لست بداهية، أمّا أنا فو اللهِ ما دخلتُ مدخلًا أحتاج أن أخرج منه ) ).
وكان خراجًا ولاجًا، لا تعوقه معضلة، ولا تعجزه مشكلة، متَّقدَ الذكاء, بالتعبير الحديث , الخط العريض في المجتمع مَن يتمتع بدرجة ذكاء تساوي مئة، والمئة تساوي المتوسط، والعباقرة درجتهم بالذكاء تزيد عن مئة وأربعين، لكن هذا الحظ من الذكاء قد يؤدي بصاحبه إلى أعماق جهنم مرة بعد مرة, والحظوظ التي تنالها من الله إمّا أنها درجات إلى الجنة، وإما أنها دركات إلى النار, بالصوت الحسن قد تقرأ القرآن، وقد تغني, والمهارات بأنواعها قد توظفها في الحق أو بالباطل.
هذا الصحابي الجليل يتمتع بصحِة حدث، وسرعة بديهة، وشدة دهاء، ولكنه كان في الجاهلية صاحب صبوة، وخَدِين متعة، وكان يَنشُدُهما أكثر ما يَنشُدُهما عند يهود يثرب, وسوف ترون كيف أنّ المؤمن إذا تعرف إلى الله أقل ما يقال بأنه غَيَّر سلوكَه مئة وثمانين درجة؟ رجُل بْسطٍ, رجل شراب, رجل نساء, كان ينشد هذه المتعة عند يهود يثرب في المدينة، هذا في الجاهلية، ولكن ما قولكم: إنّه من رحمة الله تعالى أنْ فتح باب التوبة لعباده، قال تعالى:
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
(سورة الزمر الآية: 53)