فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 800

أقام الحارث في ضيافة عمير ثلاث ليال، كان يخرج له كل ليلة بقرص من الشعير يقدمه له، فلما كان اليوم الثالث قال للحارث رجلٌ من القوم: لقد أجهدتَ عميرًا وأهله، فليس لهم إلا هذا الرغيف، وقد أضرّ بهم الجوع والجهد، فإن رأيتَ أن تتحّول فتحوّلْ إليَّ، عند ذلك أخرج الحارث الدنانير، ودفعها إلى عمير، فقال عمير: ما هذه؟ قال: دفع بها إليك أمير المؤمنين، قال: رُدَّها إليه، واقرأ عليه السلام، وقل له: لا حاجة لعمير بها، فصاحت امرأته مثل كل النساء، خذها يا عمير، فإن احتجتَ إليها أنفقتها، وإلا وضعتها في مواضعها، فالمحتاجون هنا كثيرون، فلما سمع الحارث قولها ألقى الدنانير بين يدي عمير وانصرف، فأخذها عمير، وجعلها في صرر صغيرة، ولم يبت ليلته تلك إلا بعد أن وزّعها بين ذوي الحاجات، وخصّ منهم أبناء الشهداء، وعاد الحارثُ إلى المدينة، وقال له عمر: ما رأيت يا حارث؟ قال: حالًا شديدة يا أمير المؤمنين قال: أدفعتَ إليه الدنانير؟ قال: نعم، قال: وما صنع بها؟ قال الحارث: لا أدري، وما أظنه يبقي لنفسه منها درهمًا واحدًا، فكتب الفاروق إلى عمير, يقول له: إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل عليّ، وتوجَّهَ عمير إلى المدينة، ودخل على عمر رضي الله عليه، فرحّب به، وأدنى مجلسه، ثم قال له: ما صنعتَ بالدنانير يا عمير؟ قال: وما عليك منها بعد أن خرجتَ لي عنها؟ قال: عزمتُ عليك أن تخبرني بما صنعت بها؟ فقال: ادَّخرتها لنفسي لأنتفع بها في يومٍ لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فدمعت عينا عمر، وقال: أشهد أنك من الذين يؤثرون على أنفسهم، ولو كانت بهم خصاصة، فالآية انطبقت عليه، ثم أمر له بوسق من طعام وثوبين، فقال: أما الطعام فلا حاجة لنا به يا أمير المؤمنين، فقد تركت عند أهلي صاعين من شعير، وإلى أن نأكلهما يكون الله عز وجل قد جاء بالرزق، وأما الثوبان فآخذهما لأم فلان، -يعني زوجته- فقد بلي ثوبها، وكادت تعرى )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت