فهرس الكتاب
غادر ثمامة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى حتى إذا بلغ نخلًا من حواشي المدينة، قريبًا من البقيع، فيه ماءٌ، أناخ راحلته عنده، وتطهَّر من مائه، فأحسن طهوره، ثم عاد أدراجه إلى المسجد، فما إن بلغه، حتى وقف على ملأٍ من المسلمين, وقال: (( أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
-فهذا الإنسان على جانب عالٍ من الذكاء، ما أراد أن يسلم وهو مقيَّد، وما أحب أن يُسلم تحت ضغط الأسر، لكن حينما عفا عنه النبي، أعلن إسلامه- وقال: يا محمد، والله ما كان على ظهر الأرض وجهٌ أبغض إليّ من وجهك, -العرب كانوا صرحاء، وما تسمع الآن إلا مديح كاذب، وزورٌ وبهتان- وقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلُّها إليّ.
-هذا بالإحسان، وأنت أيها المؤمن, بإمكانك تنقل إنسان من أشد أنواع العداوة والبغضاء إلى أشد أنواع الحب والولاء, بإحسانك، افتح القلوب بإحسانك، قبل أن تفتح الآذان لبيانك، وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن سعيد بن المسيب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس ) ).
ويتابع ثمامة- فيقول: ووالله يا محمد، ما كان دينٌ أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك اليوم أحبَّ الدين كله إليّ، ووالله يا محمد، ما كان بلدٌ أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليّ, ثم قال: يا محمد، لقد كنت أصبت في أصحابك دمًا، فما الذي توجبه عليّ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا تثريب عليك يا ثمامة، فإن الإسلام يجُبُّ ما قبله.
-أنت حينما تتوب فكل شيءٍ سبق هذه التوبة عفا الله عنه، وبشَّره بالخير، الذي كتبه الله له بإسلامه، فانطلقت أسارير ثمامة، وانفرجتْ- وقال: والله يا محمد، لأُصيبن من المشركين أضعافَ ما أصبت من أصحابك، ولأضعن نفسي وسيفي ومن معي في نصرتك، ونصرة دينك )) .