فهرس الكتاب
فإذا كان لك عدو لدود، وخصم عنيد، وإنسان أوقع فيك أشدَّ أنواع الأذى، ثم وقع في قبضتك، فأنت بين أمرين؛ إمّا أن تنتقم منه، وتشفي غليلك، وإمّا أن تسعى كي يُسلم، وكي يهتدي، وقد ملكتَ أمره، ووقع في قبضتك، فإذا اخترت الانتقام، فما أبعدك عن الإيمان، وإن اخترت له الهداية، وصفحت عنه، وعفوت عنه، فقد أفلحتَ وأنجَحتَ، وربنا عزَّ وجل يأمرنا بالصفح فيقول:
(سورة الحجر الآية: 85)
هذه أخلاق الأنبياء.
إليكم قصة إسلام ثمامة بن أثال:
أيها الأخوة, أقبل عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال: (( ما عندك يا ثمامة؟ فقال ثمامة: عندي يا محمد خير، فإن تقتل تقتل ذا دم, -يعني إن قتلتني فأنت محق، والحق معك، وأنا أستحق أن أُقتل لأنني قاتل- وإن تنعم علي بالعفو، تنعم على شاكر- أنا لا أنسى لك هذا المعروف- وإن كنت تريد المال، فسَلْ تُعطَ منه ما شئت ) )وإن أردت المال فاطلبْ منه ما تشاء، وسل منه تُعطَ ما تشاء، فالنبي ما قال شيئًا، فتركه وعاد.
تركه النبيّ عليه الصلاة والسلام يومين على حاله، يؤتى له بالطعام والشراب، ويحمل إليه لبن الناقة، ثم جاءه ثانيةً، قال: (( ما عندك يا ثمامة؟ -مرة ثانية، خطة حكيمة- قال: ليس عندي إلا ما قُلت لك من قبل ) ).
فتركه النبيّ عليه الصلاة والسلام، حتى إذا كان في اليوم التالي، جاءه فقال: (( ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك: إن تنعم، تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، أعطيتك منه ما تشاء.
فالتفت النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه، وقال: أطلِقوا ثمامة، وفكُّوا وثاقه، وأطلقوه )) يعني عفا عنه، لكن هذا من شأن النبيّ عليه الصلاة والسلام، فالله عزَّ وجل فتح بصيرته، ولا شك أن النبيّ عليه الصلاة والسلام توسَّم فيه الخير، وهذا موقف غريب جدًا، وموقف غير معقول، قاتل نكَّل بأصحابه، عفا عنه، وأكرمه هذا الإكرام، وأطعمه الطعام، وسقاه هذا اللبن!.