فهرس الكتاب
-ماذا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام لهذا الملك الحاقد الذي أراد قتله، والذي جمع أصحابًا له، ونكَّل بهم وقتلهم شر قتله؟ هنا الوقفة، وهنا الحقيقة، فأيّ إنسان على وجه الأرض تمكَّن مِن عدوٍّ لدودٍ، وخصمٍ عنيدٍ، ومبغضٍ حاقدٍ، وألقى القبض عليه، فلا بدَّ أن يقتله، وربما كان قتله لا يشفي غليل الأول، فماذا يفعل به إذًا؟ يأمر بتعذيبه، والتمثيل به، ثم قتله- قال عليه الصلاة السلام، حينما رأى ثمامة بن أثال مربوطًا إلى ساريةٍ من سواري المسجد، قال: أحسنوا إسارَه, -لماذا؟ إنه خلاف المألوف، الجواب هو أن النبي عليه الصلاة والسلام، لا يمكن أن يبغض إنسانًا لذاته، لكن يبغضه لعمله، فإذا كان هناك أملٌ في هدايته، ونقله من الضلالة إلى الهدى، ومِن الضياع إلى الرُشد، ومن الخطأ إلى الصواب، فمرحبًا بذلك، فالنبيّ عليه الصلاة والسلام، قال: أحسنوا إسارَه, أيْ أحسٍنوا إلى هذا الأسير- ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى أهله، وقال: اجمعوا ما كان عندكم من طعام، وابعثوا به إلى ثمامة بن أثال, -ليطعمه من طعام بيته، فجمع من طعام أهله شيئًا، وأرسله إلى ثمامة بن أثال- ثم أمر بناقته أن تُحلب له في الغُدو والرواح، وأن يُقدَّم لبنها إلى ثمامة بن أُثال )) ما هذا يا رسول الله؟! هذا الذي أراد أن يقتلك، أراد أن ينكِّل بأصحابك، وبل نكَّل بهم، وجمع عددًا منهم، وقتلهم شر قتلة، ثم تجمع له من طعام بيتك، وتأمر بحلب ناقتك، وترسلها إلى ثمامة، ليأكل وليشرب، وتمَّ ذلك كلُّه قبل أن يلقاه النبيّ عليه الصلاة والسلام، وقبل أن يكلمه, بعد أن أكل وشرب وشبع، وشعر أن هذا من عند النبي عليه الصلاة والسلام أقبلَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام على ثمامة، يريد أن يستدرجه إلى الإسلام.