فهرس الكتاب
(( فلما نزلنا في الشام، قلت: من أفضل رجلٍ من أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف راعي الكنيسة فجئته, فقلت: إني قد رغبت في النصرانية، وأحببت أن ألزمك وأخدمك وأتعلَّم منك وأصلي معك، قال: ادخل، فدخلت عليه، وجعلت أخدمه، ثم ما لبثت أن عرفت أن الرجل رجل سوء، فقد كان يأمر أتباعه بالصدقة، ويرغِّبهم بثوابها، فإذا أعطوه منها شيئًا لينفقه في سبيل الله اكتنزه لنفسه، ولم يعطِ الفقراء والمساكين منها شيئًا، حتى جمع سبع قلالٍ من الذهب، -القلال جمع قُلِّة، والقلة الجرة الكبيرة- قال: فأبغضْتُه بغضًا شديدًا لِمَا رأيته منه، ثم ما لبث أن مات، فاجتمعت النصارى لدفنه, وتعظيمه، وتأبينه، فقلت لهم: إن صاحبكم كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة، ويرغِّبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعطِ المساكين منها شيئًا، قالوا: مِن أين عرفت ذلك؟ قلت لهم: أنا أدلُّكم على كنزه، قالوا: نعم دُلنا عليه، فأريتهم موضعه، فاستخرجوا منه سبع قلالٍ مملوءةٍ ذهبًا وفضةً، فلما رأوْها، قالوا: واللهِ لا ندفنه، ثم صلبوه ورجموه بالحجارة, ) )
-أعظم الأعمال إجرامًا أن ترفع مبادئ وشعارات، وأن تفعل خلافها، أن تدعو إلى شيء وألاَّ تأتمر به، ماذا قال أحد الأنبياء؟ قال تعالى:
{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}
(سورة هود الآية: 88)
مِنَ الممكن أنْ يكون لإنسان مظهر، لكن مخبره غير مظهره، هذه أول تجربة من تجارب سيدنا سلمان الفارسي-.
ثم إنه لم يمضِ غير قليل حتى نصّبوا رجلًا آخر مكانه، فلزمته، قال: فما رأيت رجلًا أزهد منه في الدنيا، ولا أرغب منه في الآخرة، ولا أدأب منه على العبادة ليلًا ونهارًا، فأحببته حبًا جمًا، وأقمت معه زمانًا، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا سيدي إلى من توصي بي، ومع مَن تنصحني أن أكون من بعدك، -لأن الله عزَّ وجل يصف أهل الدنيا، وقد فاتهم الإيمان, قال تعالى: